Creative Commons License
شكراً وزارة الإعلام، لست في حاجة لحماية حقوق الطبع.

زرنوق بحراني

هنا حيث تنحشر الأفكار والأحلام والخواطر

الأحد، ديسمبر 09، 2007

عودة

في طريق العودة وقبل وصولنا بدقائق وجدتني أتمتم "كم هو كريه هذا الوطن المتخم جهلا وتخلفا وخوازيق.. هذا الوطن الذي لا يكاد يشب الواحد فيه على القوس إلا وقوست المصائب ظهره وفرجت المخابرات بين رجليه ثم لا يلبث أن يصير بطلا ليدخل التاريخ من فتحة شرجه"... لكن كل ذلك لا يهم فهو على كل حال وطن ليس لنا سواه... عندما اقتربنا من الحدود، سمعت تسبيح وتهليل ونساء يبكين بحرقة فيما ارتمى عجوز نحيل على أرضية الحافلة يتلوى بطريقة افعوانية حتى أني خلته مصاب بحصار أبوال أو إسهال من النوع العضال فهممت أشير للسائق بالتوقف عند أقرب محطة، لولا أن الرجل عاد وتكوم على نفسه ثم سجد فأطال السجود.. رفع رأسه برهة ثم عاد وسجد ثم انتصب وصرخ "هيهات منا الذلة" فما كان من السائق إلا أن كز على أسنانه ونظر إليه بشزر ثم ألجمه بصرخة مضادة كان المسكين وكأنه لم يتوقع مثلها:

-"رح اقعد مكانك لا دست في بطنك"!!

تلفت الرجل إلى جانبيه بوجه معصفر وعينين معتكرتين،،، أخذ طرف ثوبه الأزرق الممعج بين يديه... رفعه ثم ضمه إليه كمن أحدث شيئا في ملابسه.. تلفت مرة أخرى إلى جانبيه بسرعة خاطفة كمعتوه ثم انسحب مسرعا من حيث أتى!

ما إن اقتربنا من نقاط التفتيش على الحدود حتى هدأت الضجة وساد صمت واجف لم يقطعه سوى صوت متهجد انطلق فجأة من آخر الحافلة،،، عجوز بحرانية ضئيلة خامجة في المؤخرة، عليها سيماء المؤمنين وتفوح منها رائحة ماء ورد وريحان خضل مضروب بشيء من رائحة كرات نفثالين أروماتية نفاذة (تلك التي تستخدم لطرد العثة من الملابس)،،، أخرجت يدها من بين أكوام الخرق السوداء التي لفتها،، رفعتها عاليا للسماء حتى ظننت بأنها ستصاب بتمزق ما في أربطة ذراعها الرخوة، ثم بصوت يشبه صرير الأبواب صرخت "بحبك يا مصر"!!!

أخبرنا حفيدها فيما بعد، وهو تروتسكي متطرف غير أنه مصاب بشيء من هوس الإسلامويين وبعض خبال القوميين وقليل من رخاوة الحداثويين ورهافتهم، أخبرنا وهو الثقة المعتد بروايته بأنها كانت قبل المنفى فنانة شابة لما تنض عنها ثوب السبع عشرة بعد، عاشقة لفاتن حمامة حد الثمالة وبأنها كانت الشخصية الأوفر حظا للعب دور "لارا كروفت" في فيلم الأكشن "أبي فوق الشجرة" لولا أن المخرج المبدع "عادل فليفل" اضطر لإعطاء الدور لممثلة أخرى تحت ضغوط شديدة تعرض لها من قبل أزلام النظام، فانتهى بها المطاف راقصة باليه احتياطية في فرقة الليوة بموسكو، وظلت ترقص الباليه وتذهل المتابعين إلى أن بلغت التسعين وكانت ستظل ترقص ليوم الناس هذا، وهي ابنتة المائة والسبع سنين، لولا أنها أصيبت بإسهال لا إرادي مزمن يتطلب منها ارتداء حفاظات خاصة طيلة الوقت الأمر الذي جعل من تأدية رقصات الباليه الرشيقة والسلسة أمر أشبه بالمستحل!

إلا أن هذا لم يمنعها من مواصلة النشاطات الفنية والرياضية التي تهواها، فبعد عام من اعتزال الباليه حققت الميدالية الذهبية في القفز بالزانة إلا أنها اضطرت للاعتزال مجددا بعد أن أصيبت بتمزق في إبطها الأيمن جراء قفزة جريئة وصفت في وسائل الإعلام الغربية بالمغامرة غير محسوبة النتائج!

ثم استطرد الحفيد ليخبرنا بأنها وبعد أن تشافت من التمزق مارست رياضة الجري وأبدعت فيها حتى أن مسؤول رفيع في الهيئة العامة للشباب والرياضة في البحرين كان قد فاتحها لعقد صفقة تجنيس غير أن الموضوع أغلق بعد أن عرف أنها بحرينية أصلا!

سكت برهة ثم هم بإخبارنا بشيء آخر لولا صفعه الرجل في الكرسي الذي وراءنا مباشرة وهو يصرخ به بنزق:

- نفخت راسنا بهالعجوز العفنة،،، مسونها ولا آرنولد وهي كلها على بعضها ثلاثة عظام و وار ونص جلود... والله إن ما سكت عن الشلخ إلا أفلتها في أقرب خمام وخلها تبدع هناك عـــــــاد!!!

كنا لحظتها قد توقفنا عند الحدود البحرينية وأشار إلينا سائق الحافلة بالترجل منها لتخليص أجراءات الدخول...


شرطي الحدود، شاب أسمر نحيف رأسه عريضة من أعلى مستدقة عند الذقن، مثلثة بطريقة كارتونية حتى انك لتظن أنه مقلوب.. قمته المقلوبة تنتهي بكومة شعر كثة تشبه إلى حد ما شعر إبط شمبانزي مراهق كان قد دخل سن البلوغ حديثا.. استقبلنا الرجل ذي الرأس المثلثة بابتسامة عريضة.. رحب بنا بحرارة.. استلم جوازات سفرنا.. قرأ أسماءنا.. بصق في وجوهنا ثم طبع ختم الدخول!!!

يالهذه الدنيا العاهرة... تفتح أرجلها لأمثال هذا المنحرف ذي الرأس المثلثة وتصد عنا، نحن الأبطال المقاومون الذين لم نكترث يوما لا لبول بريمر ولا لخراء رايس حتى!

آآآآآه آآه .. ثم آآآه تتلوها آآه وآآه.. هاقد جاء علينا اليوم الذي يبصق في وجوهنا رجل رأسه مثلثة كقطعة ناچوس مكسيكية محمصة... أوليس هذا ما جاء في الأثر وبشر به السابقون الأولون ثم التابعون لهم بإحسان وحذروا من أنه واحد من علامات الساعة؟! تلك الساعة التي لسنا ندري من أي نوع هي، غير أني أكاد أجزم بأنها ليست مضادة للماء البتة فلو كانت كذلك لما نالنا ما نالنا من بصاق ذاك الفسيح.

كشفت عن رأسي ولولا الحياء لفتحت جيبي وكشفت عن صدري أيضا.. رفعت كفي للسماء ثم أقسمت بأن أدعو على هذا المنحرف في التاسع عشر من تشرين الأول/أكتوبر القادم تحديدا، كونه يصادف اليوم العالمي للناچوس وهو يوم فضيل على ما جاء في الخبر وبه ساعة مستجابة بإذن الآلهة!

دخلنا ننفض غبار الغربة الكامد على أرواحنا مذ خرجنا خروجنا الأول نتوجس خيفة قبل عقود.

>>> ربما يتبع وربما لا

تحية ود،
حسن الخزاعي

الاثنين، يوليو 30، 2007

عيب خلقي

كنت أظنني أقلعت عن إدمان الكتابة هذا، غير أن شعوري ذاك لم يكن سوى وهم آخر من جملة أوهام علقت بها مرة وللأبد. قوة جذب/ قوة شد/ قوة قهر وإجبار تضطر المرء للكتابة رغما عنه وفي لحظة فُساء ذفرة تنسرب خارج أطر الوعي والإدراك وساعة انفلات عاطفي وشهوة جامحة لتحطيم الذات، أجدني أرقش الصفحات بالحروف مرة أخرى فأكره نفسي حد اللعنة... ملعونة هذه الصفحات.. ملعونة هذه الحروف.. ملعونة تلك الكلمات والجُمل ومطرود من هوى الآلهة كاتبها.

صه.. صمتا.. لا تفه.. عبثا تحدثني، فأنا أشد صمما من دودة الأرض.. لا تنبس ببنت شفة.. بل ولا تفكر حتى في اقتراف فعل فاضح كذاك البتة... وتذكر دائما بأنك في صحراء بني إسماعيل الذين يكرهون الكلام رغم كونهم أكثر أهل الأرض ثرثرة.

ذرعني الطريق الضيق جيئة وذهابا.. قرأني السباب المرسوم على جدرانه.. تنفسني عطنه.. داستني حبات رمله.. غير أنه لم يتمكن من عبوري بعد.. راوح مكانك أيها الزقاق الطويل فأنا أكثر طولا من أن تعبرني خطواتك.. لا يغرنك أني أطوف بداخلك فأنا الثابت، باق حيث أنا أبدا، وأنت تزول بمجرد عبوري منك أو عبورك خلالي.

لم تفهم شيئا بعد؟ حسنا، ذاك ما عنيته تماما

بحراني ... بحراني جدا ... "خيلي بحراني"* ... أقولها بالفارسية، ذلك أن لها معنى آخر غير النسبة لهذه الأرض المبتلاة بنا كما هو حالها في العربية، فهي في الفارسية تعني "حرج"، فـ "نقطه بحراني" بالفارسية مثلا تقابلها "نقطة حرجة" في العربية و "ناحيه بحراني" تقابلها "منطقة حرجة" وهكذا.

بحراني ... بحراني جدا ... بحراني أنا... حرج أنا... وهل هناك من هو أكثر حراجة مني؟!

ألم تفهم شيئا بعد؟! حسنا، ذاك ما عنيته تماما
عش مغمض العينين فالحقيقة لا تريد أن تراك

دون أن يلقي عليّ تحية، مر بي.. نظر إليّ.. رسم على وجهه منحيات قرف تشي باشمئزاز.. شيء من استصغار وكثير من الاحتقار.. كان كمن داس سهوا عذرة خراء طرية (ربما كانت دبقة لثدة ذات لون بني مضروب بشيء من الشقرة).. قاومت ابتسامة ساخرة كانت متأهبة لاجتياح صفحة وجهي.. ظهر من أثر الابتسامة غمازتين غائرتين.. زممت شفتي بقوة لأخفي أي آثر آخر.. هأهأت قليلا ثم انقلبت هأهأتي قهقهة غير أن قهقهتي تلك مالبثت أن استحالت نهنهة ومهمهة للنفس عن السخرية من خلق السماء.

بعد برهة من تروي ورؤد كثير، كنت قد تمكنت من دحر غزو الضحك الغاشم تقريبا لولا أن مرت بجانبي عجوز طويلة نحيفة كالخيزران تماما.. في ملابس صيف خاكية فضفاضة وقد فردت شعرها الأبيض القصير الأجعد كيفما اتفق.. كانت تشبه لحد ما، عصاة مكنسة من نوع خاص تستخدم لتجفيف الماء، لست أجد لها اسما بالعربية غير أن نساء الحي يطلقون عليها اصطلاحا "أم لخيوط" نسبة لكومة الخيوط المثبتة في رأسها!

نظرة إلى جسدها النحيل منسرق المفاصل ذي السمت الرهيب الذي لا يشتكي من أمت لا تخلو منه امرأة في العادة، وذلك الوجه الممعج وكومة الخيوط الثائرة فوق رأسها، كانت كفيلة بأن تدخلني في حلم يقضة قصير كنت ممسك فيه بساقيها بينما أحملها رأسا على عقب لأجفف بها بلاط المحل.. هنيهة وإذا بي أنفجر ضحكا كمعتوه.. حدجتني العجوز بنظرة ازدراء فازددت ضحكا، بينما استغل هو الفرصة ليتوارى خلف أحد الرفوف.

تركته يذهب إلى حيث شاء، غير أن رأسه المفلطحة أخذتني طوعا صوب رائحة البارود وصوت المفرقعات وروعة المطاردات في ليالي التسعينيات الدافئة.. يومئذ كنت أعد أبرع أقراني في استخدام النباطية (فلاتية على رواية بحراني مضعفة) لحد أني أصبت مؤخرة رأسه عندما كنت أصوب نحو سيارة شرطة الشغب الواقفة على بعد فرسخ منه!


ازبأر شعر جسدي وانخلع قلبي وتسارعت دقاته هلعا مما يكون قد ألم به جراء تلك الرمية.. رفعته عن الأرض.. مسحت العرق عن جبينه.. مسدت رأسه فوجدته طريا لينا لطيف الملمس فأيقنت أني هشمت جمجمته لولا أنه رفع يدي عن رأسه بعصبية، ودون أن يبدو عليه أثرا لإصابة أو ألم، ثم نهرني بلهجة بحرانية قحة، عن لمس مؤخرته مرة أخرى (شيل إيدك عن ..... يالنذل) فانتابني شعور بأن الرجل قد جن أو أن لوثة قد أصابت عقله فاختلطت عليه أجزاء جسده من شدة الضربة.. فمن ذا الذي لمس مؤخرته أو حتى اقترب منها؟!

من يوم ما حدث والرجل يكرهني كرها أعمى لم أكن أعرف سببا له، حتى انتقضى على الحادثة عقدا أو أكثر صار فيه سياسي بارز ورجل مجتمع لامع، فأدركت عندها السبب وعرفت بأنه كباقي سياسيينا ولد بعيب خلقي جعل من مؤخرته في رأسه ليفكر بها كما يفعل باقي زملائه في الكار!


تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة
============================
* "خيلي" هذه لا تعني أحصنتي، بل هي مرادف لـ "جدا" في العربية.

الثلاثاء، يناير 23، 2007

زرنوق مترجم

الأستاذة بنت بطوطة وفي إطار مشروع دشنته أمس البارحة لترجمة مختارات من بعض المدونات البحرينية المكتوبة بالعربية إلى الإنجليزية، شرفتني بأن بدأت مشروعها بترجمة عملين من مدونتي المتواضعة هما "وجع" و "جلسة طارئة". الترجمة كانت أكثر من رائعة حتى أني وجدتها أفضل من الأصل في جوانب عدة من دون مبالغة أو مجاملة.

جدير بالذكر أن الأستاذة
بنت بطوطة، ليست عربية وإنما إنجليزية تجيد إلى جانب العربية عدة لغات أخرى ويكفي الاطلاع على جودة الترجمة للحكم على مدى تمكنها من العربية.

حسن الخزاعي

المنامة المحروسة

السبت، يناير 13، 2007

مواعين السيدة -5

ربما تكون تلك الـ "ياو ياو" الكارثية هي آخر ما يتذكره الحي عن ذلك المساء المتخم كآبة، المثقل ذلا والصارخ صمتا يخرق الآذان صخبه.. ربما تكون كل ما يتذكره الحي إلى جانب رائحة ذفرة تشبه تلك التي تنبعث من بين مفارق أصابع القدم وتصيب الإنسان بحالة خدر لذيذة لدرجة أن بعض سكان الحي أدمنها بجنون وما انفك يدس أنفه بين الأقدام النتنة كلما واتته الفرصة... تلك الرائحة سكنت النفوس والبيوت كما السيدة تماما، بعد أن استسلم لها الحي كأمر واقع وقبل العيش معها كمرض مزمن آخر إلى جانب الجوع والقهر والحرمان.


فتحية، وكمن أفاق للتو من كابوس مزعج لازال يجتر أحداثه بمرارة، تتذكر مساء ما بعد الـ "ياو ياو".. ذاك المساء الكارثي الذي شهد أبشع أحداث حياتها قاطبة، عندما خرجت وهي الفتاة ذات السبع عشر صيفا لقضاء حاجة لها في ليلة متجمدة من ليالي كانو الثاني، أكثر أشهر السنة كآبة ورعبا.

فضاء أزقة الحي خالٍ من كل شيء سوى من صفير رياح قارسة البرودة تتلاعب بأبواب النوافذ الخشبية المهترئة وصوت خطوات في بداية الزقاق تتبعها منه إلى الذي يليه... خطوات تجوب متاهة الأزقة خلفها دون أن تستسلم. تتسارع دقات قلبها هلعا من هذا الذي يتبعها.. تهم في مشيها.. تتسارع الخطوات من خلفها.. تركض.. فيركض هو الآخر ملاحقا لها.

على بعد خطوات من نهاية الزقاق كانت تسمع تسارع أنفاسه بوضوح.. كانت أشباح ظلاله العملاقة تتراقص على الجدران العارية، وقد استطال أحدها إلى أن ابتلع جسدها الضئيل في بحر ظلامه.. كان يكاد يلتصق بها.. كانت تحس بحرارة أنفاسه على جيد رقبتها.. كانت تعرف تماما بأنها مدركة لا محالة.

ابتهلت للسماء.. دعت بحق كل الأولياء.. نذرت للشيخ عزيز والنبيه صالح وصعصعة والأمير زيد ونخبة أخرى من مقامات الأولياء والصالحين.. غير أن السماء لم تكن تسمع أو كذلك خيل لها.

أمسك بها فانهارت تحته.. زحفت على الأرض هاربة منه إلا أن المجرم أمسك بإحدا قدميها الحافيتين.. صوت صرخاتها التي لم تستفز أحدا من أهل الحي المسكونين رعبا، خفتت فجأة واكتفت بنشيج مؤلم لا يُسمع، منتظرة ما سيحل بها، مستسلمة لقدرها.

رفع رجلها إلى أن بلغت حد رأسه.. مسحها بيده ثم فرق بين إبهامها والسبابة ودس أنفه بينهما حتى انسطل وتركها فقد كان هذا هو كل ما أراده منها.

هذا المجرم هو ذاته الذي ستقترن به بعد أشهر من الحادثة والذي ستقضي معه سنين طويلة دون أن تنجب منه حيث أنه لم ير فيها ما يثير سوى رائحة قدميها.



يتبع <<<


تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة

الأحد، يناير 07، 2007

سيد الشهداء يصعد للجنة


مرة أخرى أعود.. غير أنه عود آخر فقد عدت بعد أن كدت لا أعود،،، رجعت إليها لا لشيء سوى لأتقيأ همي حروفا في فضاء الورق الافتراضي ولأمارس متعة التعري باستعراضية سيكوباتية مثيرة للسخط ولا تُعنى بمشاعر أحد أيا كان.

أرقني في الأسبوع الدالف إلى غياهب التاريخ من دون رجعة، ذلك الفراغ الطارد على غير العادة، الفراغ الذي سببه غياب ملاكيَّ، الأيمن والأيسر، معا وما سببه من ضياع أعمال جليلة كنت قد أهلكت نفسي في اقترافها وطفقت في الأيام الخوالي أفكر جديا في المطالبة بها بأثر رجعي وبتعويضات مجزية، لولا أن تنامى إلى مسامعي ما حدث وأجبرهما على المغادرة للتفرغ لمهام أكثر إلحاحاً.

حالة طوارئ في السماوات والملائكة في شغل شاغل يرصفون الطرق، يرشونها بماء الورد ويفرشونها بالحبق وتشكيلة مختارة من رياحين الجنة، آخرين منهم منهمكون في تزيين الحور العين استعدادا لاستقبال سيد الشهداء القادم من أسفل سافلين. رضوان المسؤول الأول عن الجنة يطارد الولدان المخلدين لكيلا يفسدوا الاستعدادات الجبارة لحفل الاستقبال الحاشد.

سكان الجنة يتساءلون عن القادم العظيم ويشرئبون بأعناقهم فوق أكتاف الحرس المطوقين لمنصة الاستقبال، يتلصصون النظر علهم يحظون ولو بنظرة.. رضوان الذي فرغ للتو من مطاردة آخر الولدان يصرخ في ملائكته:


- سووا حيطة .. سووا حيطة

أحدهم ظن مخطئا بأنه في مباراة لكرة القدم فحمى، بكلتا يديه، مناطقه الخاصة تفاديا لتلقي ضربة وقائية أو ربما استباقية أو أخرى تكتيكية القصد منها إرباك الصف وفتح ثغرات فيه إعدادا لضربات أخرى مسددة بإذن السماء!

الانتحاريون الأبرار قطعوا لقاءا خاصا كان يجمعهم بنخبة من الأنبياء وفصيل كامل من الأوصياء مدعم بمدد من الصحابة الكرام.. خرجوا زرافاتا ووحدانا لاستقبال البطل القادم إليهم ببراق طار به لأسفل منصة الإعدام فدنى وتدلى بعنق مكسورة رفعته بضربة لولبية متقنة إلى الفردوس الأعلى دون أن ترتطم بشيء في طريقها إلى هناك.

القائد الضرورة ضمن الجنات العلا وسيادة الشهداء بمرتبة الشرف الأولى، لأنه، تقدست أسراره، نطق الشهادتين قبل أن يلاقي ربه فطيسا الأمر الذي أثار موجة من الاحتجاجات في جهنم إذ أن كثيرا من سكنتها كانوا قد فعلوا الشيء ذاته إلا أنهم لم يغفر لهم من ذنبهم شيئا.

فرعون رفع رباط رأسه وقصعه خلف أذنيه غاضبا.. أصيب بارتفاع في أحماض المعدة وحرقة غير محتملة في مناطق أخرى.. ناست في رأسه الأفكار وعملت في قلبه الغيرة.. رفع تظلما للآلهة يطالبها بمراجعة منح القائد الضرورة لتلك المرتبة أو منحه هو الآخر مرتبة مساوية لها، فهو الآخر كان قد آمن برب موسى آن غشيه الماء.

رفض التظلم وردت الدعوة بحجة أنه – فرعون – كان قد أفسد في الأرض فسادا عظيما ومارس تصفية عرقية ضد بني إسرائيل، أدينت بسلسلة طويلة من قرارات الآلهة المتحدة التي لم يرضخ لأي منها.. وعندما دفع فرعون بأن سيد الشهداء هو الآخر أفسد في الأرض وأهلك الحرث والنسل ومارس التصفية العرقية جاءه الجواب بأن القائد أعلت الآلهة مقامه الشريف إنما قتل الروافض وهؤلاء ليسوا من أهل الجنان على أفضل حال ودمهم مهدور لا قيمة له، لذا لم تصدر إدانة بحقه من منظمة الآلهة المتحدة ولا أي هيئة تابعة لها، بل حتى منظمة آلهة بلا حدود، المعروفة بإدانة كل شيء، لم يصدر عنها أي بيان ولو حتى توضيحي لملابسات الأحداث التي راح ضحيتها آلاف الروافض.

فرعون البائس لم ييأس بل عاد ليدفع بأن القائد قتل في من قتل آلاف من أهل السنة والجماعة أيضا، فجاءه الرد زاجرا وغير قابل لأي أخذ ورد بأن من قتله القائد من أهل السنة والجماعة هم جماعات من الكرد، وهؤلاء وإن كانوا من أهل السنة والجماعة إلا أنهم من غير الناظقين بالعربية والعربية كما هو معروف هي لغة أهل الجنة لذلك فهم ليسوا من أهل الجنان كما إخوانهم الروافض تماما ولذا فدمهم مهدور ولا قيمة له هو الآخر.

والله يخلي الريس والله يطول عمره
تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة

السبت، نوفمبر 04، 2006

محمود اليوسف، ما له وما عليه

رُفع الحجب عن عرين محمود، الذي لن أجرأ على تسميته عرينا بعد اليوم ولي في ذلك أسبابي الخاصة التي لا أود التصريح بها الآن. رُفع الحجب بعد أن استنفر المدونون والصحفيون قواهم مطالبين بإلغاء القرار حتى أن جرائد يومية، كالوسط والوقت وGDN، نشرت أكثر من موضوع عن القضية ذاتها وأعطت ضوءً أخضر لصحفييها للكتابة عن القضية بحرية تامة ومواصلة الضغط على وزارة الإعلام من أجل التراجع عن قرارها القاضي بحجب المدونة وربما مقاضاة صاحبها.

المسئولين في وزارة الإعلام وكما عودونا دائما أكثر غباءاً من أن يتمكنوا من دراسة عواقب قراراتهم الساذجة والمرتجلة عادة، وكما حدث في قضية "بحرين أونلاين" الذي حُجب ثم تم إحالة مديريه (علي عبدالإمام، حسين يوسف وسيد محمد الموسوي) على النيابة العامة واعتقالهم لأكثر من أربعين يوما، الأمر الذي شوه صورة ديمقراطيتهم المزعومة لأبعد الحدود وأثار موجة استياء واحتجاجات واعتصامات أمام مكاتب النيابة العامة من أجل فك سراحهم.

تحت الضغط أطلق سراح الثلاثة وبقت قضيتهم مفتوحة إلى يومنا هذا، إلا أن أحدا لا يتحدث عنها الآن فلا تحقيقات ولا محاكمات ولا أي شيء، فقط صمت كصمت القبور فقد أدرك المسئولون سذاجة قرارهم ذاك أو ربما وصلتهم قرارات من جهات عليا لإغلاق الملف وسد الطريق على قوى المعارضة المافتئت تحاول فضح مزاعم الديمقراطية في البحرين.

وبعد اجتماع مع وكيل وزارة الإعلام، د.عبدالله يتيم، قرر رفع الحجب عن عرين محمود شريطة أن يتخلص من كل المواضيع الخاصة بفضيحة تقرير البندر وكذلك فعل فعاد موقعه للنور مرة أخرى. انتقده البعض لتنازله عن حقه في الحديث عن تقرير خطير كذاك خصوصا بعد أن كان قد صرح سابقا في أحد مواضيعه بأنه سيطالب برأس المتهم الرئيس في ذلك الملف، الشيخ أحمد عطية الله آل خليفة!

صاحب العرين اختار أن لا يكون أسدا وذلك حقه كاملا ولا يجب أن يلومه أحد على استخدامه، فقد استخدمه حسين مرهون صاحب "مداس آية الله" قبله، عندما كتب بأنه لن يتحدث عن التقرير بعيد صدور قرار منع تناوله مباشرة وكذلك فعلت أنا في الزرنوق فلم أكتب شيئا عن التقرير أبدا ذلك أني أدرك تماما معنى أن تكون أسدا في ديمقراطية عريقة كالبحرين!

غير أن الخوف قد استبد بمحمود اليوسف لدرجة أنه خرج من ذلك اللقاء ليكتب مادحا النظام الذي قال عنه "لست أدري كم دولة في العالم يتمكن فيها مواطن عادي من مقابلة مسئولين على هذا المستوى" واسترسل ليمدح مسئولي وزارة الإعلام بعد شكرهم ووصفهم بالاحترافية وعدم أخذ الأمور بصورة شخصية!

وهذا ما أخذته عليه فإن كان من حقه أن ينجو بنفسه من مضايقات النظام بالتنازل عن نشر ما لا يروق لهم فليس من حقه أبدا ولا أراه ضروريا البتة أن يضلل القارئ بمديح كاذب ليس له مثيل غير ما يكتبه طرزانات الصحف اليومية الذين لا يجيدون أمرا قدر إجادتهم للمديح المبتذل.

الأمر الآخر والأكثر أهمية من سابقه هو أنه في الوقت الذي امتدح فيه جلاده نسي أن يشكر ولو بشكل خجول من وقف إلى جانبه والسبب الحقيقي في تراجع الوزارة عن قرارها، ففي حين وجه شكره لسعادة الوزير ووكيله واسترسل في وصوف مطولة عن حلمهم وأناتهم واحترافيتهم وروعة نظامهم لم يكلف نفسه عناء شكر الصحفيين الذين ساندوه وكتبوا عنه ونسي أو تناسى الصحف التي خصصت مساحات كاملة لقضيته، فلم نجد اسما لصحفي كتب عنه ولا لصحيفة في المضوع الأخير الذي نشره بعد عودة مدونته.


تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة

الاثنين، أكتوبر 16، 2006

في وصف محرر

أولى نصائح أستاذي، هي أن أبتعد عن الشخصنة وأن أنتقد الظاهرة/المدلول لا الصفة.. إلا أني أصاب بأخلال العجزة، وكتام مقرف في التفكير ويستعصي عليّ الوصف وتعييني المحاولات ما يحول دون تطبيقي لتلك النصيحة القيمة.. فأنا أمام أشخاص جواهرهم ظواهر بحد ذاتها.. تتلاشى عند أنواتهم الأميبية، المافتئت تتضخم، كل البرازخ بين الشخص والظاهرة.. فساءون بوالون خراءون ركام مزابل.. لغرورهم هجيج كالبحر ودواخلهم خاوية كالطبول.

آن عنّ لي أن أرسمه بيراعي احترت من أين أبدأ، فشيء صغير مثله جدير بالتأمل وإعادة التفكير ألف ألف مرة قبل رشم الصفحة بالحروف في محاولة يائسة لوصفه.

ذات مساء شتوي أزرق كئيب.. الأضواء خافتة حد العتمة.. الكاميرا تزحف نحوه في طريق أفعواني وقد أشاح بوجهه عنها.. تقترب منه أكثر وأكثر على وقع مسيقى ترقب مزعجة.. تظهر عجيزته فجأة لتملأ الشاشة كلها، غير أنها لا تبدو كمؤخرة إنسان عاقل بل هي أقرب إلى أست كائن غرائبي من حلقة تطور منسية معلقة فيما بين الإنسان وأبناء عمومته القردة.. بدت في المشهد ذاوية كزبيبة وُضعت كيفما اتفق فوق ساقين طويلتين كالخيزران.. صورة نمطية لكائن خرائي مقرف.. يزداد المشهد إثارة آن تحرك الكاميرا لأعلى فيما تعزف مسيقى أفلام رعب هوليودية في المؤخرة.. تتحرك الكاميرا لتظهر ظهره الطويل ثم جوزة الهند الفارغة الملقاة على كتفيه.. شدني المشهد المؤثر جدا فتساءلت إن كان هذا من قال فيه الشاعر:

"له أيطلا ظبي وساقا نعامة ورأس خروف صغير"؟!

جمعني به لقاء واحد فقط كان أكثر من كاف ليخطف لبي ذاك التلألؤ الوضاء لوهج غروره اللامحدود ولأن أتسوق في بازار كذبه الممل طيلة ساعة أو أكثر.. كان ذاك عند البوابة الخارجية لسُجف جمعية العمل الديمقراطي (وعد) وكان ذاك بعد ليلة من أحداث المطار التي اندلعت بعد اعتقال الشيخ محمد سند، وكان ذاك عندما أجبرني القدر على أن أذهب إلى حيث هو برفقة الشقيقين "عباس المرشد" و"عادل العالي".

بدأ الحديث عندما انتقدت اللامهنية والانحياز الكامل جهة السلطة التي تعاطت بهما "جريدة الجنجويد" التي يعمل لصالحها، في تغطيتها للحدث فأزبد وأرعد وانتفخ رأسه وجحظت عيناه.. امتد لسانه من عند حواف الحنجرة لحدود الصدر ثم تطايرت في الجو ندف تفال انطلقت من فيه وانتشر في المكان نتن لازلت أجهل مصدره وإن كانت لدي شكوك حوله.

وقبل أن أستوعب سريالية المشهد وقبل أن أتمكن من رفع عينيّ عن شعر ذقنه المخضر الذي انتصب كالإبر،،، أخبرني بأنه كان هناك وبأنه هو من غطى الحدث وبأنه هو من كتب وحرر وبأنه من قدم وأخر وبأنه من أخرج وأظهر وبأنه هو الضليع في الصحافة وبأني أنا الذي من خارج دائرة الصحافة المقدسة وبأني أنا الذي لا يعرف شيئا عن أصول ذاك العمل المهني الجبار وبأني أنا الجاهل لكيفية كتابة التغطيات، لا يحق لي نقده أو التعليق عليه! أما عن حياد "جريدة الجنجويد" الوليدة فحدث ولا حرج فهذه جريدة محايدة حد اللعنة ولا تربطها بالسلطة أي علاقة ويكفي دليلا على ذلك أنه هو يعمل بها (محررا سياسيا تارة ومراقب ديمقراطي تارة أخرى) وهو المعارض المشهود له مناوءته للسلطة وبأنه ليس مجرد عضو عادي في "وعد" كما الآخرين وإنما قائد منطقة قد الدنيا!

هذا "السوبرمان" الفساء لم يكن يرتدي عباءة ساعتها ولا غرابة في ذلك فهو يخلع عنه عباءة الصحفي المأجور عندما يدخل جمعيته كما يخلع عنه عباءته الآيدلوجية ليعمل بضمير معطوب عندما يدخل صحيفته!

مزبلة الثقافة.. ماخور المبادئ.. جوال الغرور المكتنز غباءا هذا، لم يظهر عليه أثر من آثار "السوبرمانات" ما اضطرني مجبرا أن ألقي نظرة سريعة على وسطه عليّ أشاهد ولو لمرة على الطبيعة "سوبرمان" بوال يرتدي ملابسه الداخلية فوق بنطاله إلا أني اكتشفت أنه لا يرتدي ملابس داخلية حتى.

كان كل ذلك ولم يعرف أحدنا اسم الآخر بعد، وبعد أن انصرفنا ولم يبق من هزيع الليل الأخير سوى سويعات سألت صديقي "المرشد" عن من يكون أصغر مضراط هذا، فأخبرني فعجبت أنه نزع عنه فيما نزع، من نزاهة ومبادئ وضمير، حتى لهجته التي بدا خجلا منها.


اقرأ ما كتبه الشقيق حسين مرهون في مدونته "مداس آية الله" في وصف الكائن ذاته



تحية ود،
حسن الخزاعي
الرياض المحروسة

الأحد، أكتوبر 15، 2006

وحي

أصبت بنوبة برد قاسية.. ارتعدت فرائصي خوفا.. تدثرت بخرقي البالية.. تضمخت عرقا باردا سرى على عمودي الفقري كحشرة مقرفة.. قصعت شعري خلف أذني كي لا يلتصق بجبيني.. حاولت الهرب مرارا بأفكاري بعيدا إلا أن الحقيقة لا تزل ماثلة أمامي والأمر واضح وصريح لا ينفع معه محاولات الفرار البائسة.. ربك قد أوحى إليّ ولا بد لي أن أستجيب!

وبالرغم من هذا الوحي الهابط على قلبي بأوامر ثقيلة إلا أني لست نبيا ولن أدعي النبوة أبدا، فليس عندي وقت للدعوة ولا جلد على تحمل الأذى..وقد يقع بعضهم في التباس ويظن بأن هذا تناقضا فجا إلا أني لا أراه كذلك البتة، فهل رأى أحدكم نبيا اسمه نحلة أو رسولا اسمه زنبور بالرغم من أن السماء توحي للنحل لقوله "وأوحى ربك إلى النحل"؟!

وأنا كإنسان، على أقل تقدير، خير من نحلة طنانة فساءة صغيرة وذلك لقوله "وكرمنا بني آدم" فلم لا يوح إليّ أيضا؟!

حملت قلمي وشرعت أنفذ أوامر الوحي من دون تردد.. أمرت أن أصبح مليونيرا من دون مماحكة أو جدال مع السماء بالرغم من أن ذلك لا يروق لي كثيرا فأنا وبكل تواضع أريد أن أصبح بليونيرا لا مجرد مليونير صغير!

لم أجد وسيلة إلى ذلك خير من استجداء الكرماء من الناس، لذا قررت التأسيس لشحادة إلكترونية تماشيا مع التطور والحداثة التي أدعيهما ووضعت على الجانب الأيمن من مدونتنا المباركة زر أبيض بسيط عليه صورة لبطاقتي إئتمان (ماستر وفيزا) ومرقوش تحتها بالحرف اللاتيني DONATE أي تبرع لمن لا يقرأ الإنجليزية...

ونشيد بقرائنا الكرام اللطفاء الأعزاء الباذلين المعطين المحسنين الخيرين أن يتبرعوا من دون تردد هذا ونفيدكم علما بأننا نقبل، إلى جانب الصدقات، الزكوات والأخماس والكفارات والنذور أيضا.

تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة

الأحد، سبتمبر 10، 2006

فلسفة

أوقاتي أوجاع وأزمنتي تقاس بالفرق بين هم وآخر.. ذات ألم ذات هم ذات قهر ذات نغص عندما كانت عقارب التفاهة تشير إلى تمام القرف تذكرت أني إنسان معجون من طين الهم الإلهي اللازب.. تذكرت أني لست إلا مجرد جوال محشو بالكمد حتى الامتلاء، جوال كباقي الأجولة الواقفة في طابور الغم الدنيوي تنتظر أن تُرمى في مزبلة التاريخ التي لا يعرف أحد لها مكانا حتى اللحظة.. تذكرت أن أصبح "فدياسا" آخر.. "فدياس" ذاك الذي نحت تمثالا للربة "أثينا" من ذهب وعاج وأنا الذي ينحت لآلهة الأوجاع كلها تمثالا من حروف بأزاميل أفكار بائسة.

بعد أن عدت من رحلتي إلى شرق تركيا، خرجت مساءً أبحث عن شيء أحيي به ليلي فلم أجد سوى مطعم فخم يرمي بظهره إلى أحد الفنادق الكبرى فيما نصب قبالته مسرحا صغيرا في الهواء الطلق، تعزف عليه إلحان كلاسيكية رائعة. خيوط المسيقى الناعمة تطوق المكان، تلف الأسماع بوشاح حريري ناعم.. تنسل إلى دواخلنا بهدوء لتستأصل الهم بمهارة جراح ثم تداوي الجراح حتى تندمل.

المطعم مزدحم جدا والطاولات كلها مشغولة غير أن المكان أعجبني وأردت الجلوس هناك مهما كلف الأمر حتى ولو تكلف بعض إحراج. أشرت للنادل فأقبل مسرعا وانحنى أمامي حتى كاد أن يركع.. وبعد أن انتصب من ركوعه كدت أن أصرخ "ربنا ولك الحمد" كما يفعل المبلغون في صلاة الجماعة إلا أني تداركت الأمر بسرعة عندما تذكرت بأني لست في أحد الجوامع!

فهمت ما كان يرمي إليه من وراء ركوعه فوضعت في يده ورقة نقدية وسألته إن كان بإمكانه أن يتدبر أمر إيجاد مكان أجلس فيه.. عاد إليّ بعد دقائق ليخبرني بأني إن كنت مصرا على الجلوس فلابد من أن أشارك أحدهم في طاولته.. هززت رأسي غير مستغرب من طرحه وأجبته أن لا بأس بذلك أبدا، بل ربما هو أفضل فعلى الأقل سأجد من أحادثه.

- على الطرف البعيد من المكان.. هناك عند الشلال الاصطناعي الصغير حيث يجلس عجوز ثمانيني.. بإمكانك أن تشاركه طاولته فهو يجلس هناك وحيدا كل ليلة.

شكرت النادل وانطلقت ميمما صوب العجوز.. وصلت عنده وحييته تحية مسائية.. حرك رأسه بغرور ارستقراطي دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليّ.. سألته إن كان لا يمانع أن أشاركه الطاولة فعاد وحرك رأسه مرة أخرى بالطريقة ذاتها وهو ينظر صوب عازفة الناي دون أن ينبس ببنت شفة.

حركت الكرسي إلى الوراء ثم جلست.. قرأت القائمة فأصبت بصدمة من الأسعار.. ابتسمت حتى لا يلاحظ العجوز فزعي وطلبت عصير برتقال طازج وقطعة حلوى بالرغم من أني كنت أتضور جوعا.. أخرجت علبة السجائر من جيبي وأشعلت واحدة ورحت أمجها بروحانية وهيام.. أسبح في الجو مع خيوط الدخان وألحان المسيقى.. أطير.. أتسامى.. أحلم.. أصلي فلحظة التدخين هي لحظة عبادة وتنسك.. هي أكثر لحظات المرء إيمانا.

أشعلتها دون أن أستأذن العجوز فقد وجدته فساءً لا يكترث لشيء ورائحة السيجارة أفضل من رائحته على كل حال.

مرت دقائق طويلة مججت خلالها أكثر من خمس سيجارات دون أن نتحدث في شيء.. أردت أن أفتح موضوعا معه.. فتأملت ملامحه بدقة.. شعر طويل وأشعث.. لحية مسبلة.. جبين عريضة.. عينان جاحظتان.. حتما هي ملامح فيلسوف خصوصا مع رائحة الزيتون الأسود المنبعثة منه،، فالأذكياء والعباقرة والمفكرين عادة ما يكونون منتنين ورائحة الزيتون هي أكثر الروائح شياعا بينهم.

وجدته يحدق بالعازفين كلا على حدة.. لحظتها كان ينظر إلى عازف الكمان وهو يحرك عصاه على الكمان بخفة وروعة.. هي لحظة مناسبة لفتح موضوع ولكن لابد من اختيار كلمات بها من العمق ما يتناسب وفكر الرجل وتجربته.. لحظة الصمت ما زالت مستمرة.. أتهيء لقطعها.. أصيغ الجمل في رأسي قبل أن أنطقها.. للفلاسفة مهابة إلا أني لن أكترث هذه المرة وسأتحدث حتى وإن بدا ما أقوله سخيفا.

نظرت إلى عينيه الجاحظتين مباشرة ثم قلت متسائلا بتحذلق:

- ترى هل يدرك هؤلاء المستمتعون بجمال الألحان عناء عصا الكمان وهي تتلف نفسها احتكاكا بأوتاره؟!

نظر إليّ بغرابة فظننت بأنه أعجب بما قلت.. ربما يظنني فيلسوفا مثله.. ربما أجد اسمي منشورا في إحدى مقالاته.. ربما وربما وربما.. رحت أحلم لحظتها بدخول عالم الفلاسفة من أوسع أبوابه وافترضت دون يقين بأن العجوز الجالس أمامي هو أحد أكبر الفلاسفة في هذه البلاد.

عيناه كانتا خاليتين من أي تعبير.. ينظر إليّ وكأنه لا يراني.. أنتظر منه إجابة إلا أنه لازال صامتا.. الصورة ذاتها.. صمت ونظرة خالية من أي تعبير.. أكاد أفقد صبري والعجوز لا يتحدث.. حرك رأسه جانبا.. لا بد وأنه على وشك أن يجيبني بشيء فالفلاسفة عادة لا يردون من دون طول تأمل وتفكير.. غير أنه لم يجبن بشيء بل قضّب جبينه وعقد حاجبيه ثم دس سبابته بأنفه!

فص الإصبع الأول أختفى داخل أنفه تماما إلا أن عملية الإيلاج لم تنته بعد.. الفص الثاني راح كما الأول.. لا بد وأن طرف إصبعه قد لامس مخه الآن.. لعلها طريقة تفكير مبتكرة!

حرك إصبعه داخل أنفه بإيروسية شبقة لدقائق طويلة.. كان كمن يبحث عن كنز أو يريد أن يصل ذروة من نوع ما.. لازال منهمكا في عملية البحث والإيلاج وأنا أترقب النتائج.. استل من داخله شيئا غريبا لم أكن أتخيل أن بإمكانه أن يستخرج ما هو بحجمه أو شكله أو حتى ألوانه وبمهارة صانعي الفخار حركه بين سبابته وإبهامه ثم رماه قذيفة بالستية عابرة للطاولات.

فقدت أثره بعد ثوان من انطلاقه لكني سمعت صوت ارتطامه الذي تزامن مع صمت عازفة الناي التي بدت وكأنها شرقت بشيء ما!

دفعت الحساب وسألت النادل عن العجوز فأخبرني بأنه أصم!!!

تحية ود،
حسن الخزاعي
استنبول المحروسة

الأربعاء، سبتمبر 06، 2006

يوميات رحلة

في آخر نقطة للشرق من تركيا وعلى مقربة من حدودها مع جورجيا بالتحديد وعلى ارتفاع أكثر من سبعة آلاف قدم وسط أدغال غابات فوق سفوح جبال سود لست أعرف لها اسما بعد، آخر ما كنت أتوقعه هو أن يعرف أحدهم بلدا اسمه البحرين، إلا أن توقعاتي لم تكن دقيقة يوما لتصدق الآن.

لا أحد يتكلم لغة أخرى غير التركية هنا وحدود معرفتي بهذه اللغة تنتهي عند العد لأربعة إلا أني وبعد جهد جهيد ومزيج من العربية والتركية والفارسية والإنجليزية ولغة الإشارات وأصوات شبيهة بتلك التي تصدر في بيوت الخلاء استطعت أن أفك طلاسم سؤال الرجل وأجبته وعلامات غريبة ترتسم على محياي، كنت كمن يتوقع صفعة بعد إجابة خاطئة غير أن ملامحي بدت له شبيهة بتلك التي تغزو الوجوه عند الحاجة لإخراج بعض الريح.. سألني إن كنت أحتاج حماما فحركت له رأسي كمروحة حائط هندية نافيا الحاجة لكنيف.

استجمعت ما أوتيت من قوة وتعاليت على خجلي، الذي لا أعرف سبب له ليومي هذا، ثم أجبته بأني من البحرين فعاجلني العجوز بابتسامة عريضة لم تكشف عن أسنانه بطبيعة الحال ذلك أن الجمع لا ينبغي مع العجائز من أمثاله فللرجل ضرس واحدة لا غير ولست أدري لأي غرض أبقاها… قهقه مرة أو مرتين ثم رد ببشاشة "بهريني قليون .. بهريني قليون".. هأهأت بحرقة مضوبة بشيء من غضب ثم دلفت تاركا الرجل غارقا في ضحكاته البلهاء.

ليست هذه أولى رحلاتي إلى تركيا ولكنها الأولى لهذه المنطقة في أقصى الشرق منها، جئتها على متن طائرة قادمة من أستنبول محشورا وسط جيش من الأتراك، أنا الغريب الوحيد بينهم. استنبول كانت حارة نوع ما يوم خروجي منها والأتراك مكنوزين كنز التمر على متن تلك الطائرة الصغيرة لكن ألطاف السماء أنقذتني فالأتراك لا رائحة كريهة لهم وليس لعجائزهم رائحة البسكويت العتيقة كتلك التي تميز عجائز أوربا.. فقط رائحة لبنة قديمة، معجنات طازجة وشيء من عبق جبنة طرية!

غير أن لي مؤاخذة على الأتراك، هي أن الواحد منهم لا يكاد يترك أنفه حتى ينخره نبشا طيلة النهاء وآناء الليل ولعمرك لست أدري ما يبحث عنه أولئك، فلو كانت إفرازات الجسم فلا بد وأن تنتهي بعد دقائق من النبش بهمة، غير أن الرجل إلى جانبي ظل مثابرا على نبش أنفه طيلة الرحلة التي استمرت قرابة الساعتين بل أني التقيته مرة أخرى في منطقة استلام الحقائب ولم يزل نابشا أنفه وعند خروجي من المطار وعلى ضفة الشارع أنتظر سيارة أجرة كان الرجل كما كان دائما إصبعه في أنفه لا تفارقه ولا يفارقها.

المضيفة على طيران أطلس كان لها بعض حظ من الإنجليزية فتجاذبت معها أطراف الحديث وعندما وجدتها مثقفة شيئا ما استرسلت معها في الحديث عن الطابع الخاص للأتراك والمفقود تماما في أستنبول المتغربة حد القرف فاستنكرت ذلك هي أيضا وأخبرتني بأن الشرق مختلف كثيرا.. في غمار حديثنا سألتني عن الكنى وبأنها تعرف بأن أي عربي لابد وأن له كنية فسألتني عن كنيتي فأخبرتها بأني أدعى "أبا بيان".. تغيرت ملامح وجهها فجأة وبدت لي وكأنها على وشك أن تبصق في وجهي فانكمشت كطفل لا يعرف سبب غضب الكبار منه... بعدها بأيام عرفت بأن "بيان" بالتركية تعني "بنت" أو "بنات" والمضيفة اللطيفة ربما أساءت فهمي وظنت بأني أتحرش بها وأخبرها بأني "أبو بنات"!!!

تركيا أتتورك تنتهي هنا، فالبشر ذوي الملامح الأوربية والشعور الشقراء والعيون الملونة متدينون في الغالب والحجاب لباس غالبية النساء هنا حتى أن بعضهن يرتدين "تشادور" أسود يغطيهن من رؤسهن لأخمص الأقدام.. المساجد والجوامع كثيرة جدا، ربما أكثر من البيوت وتجدها مشيدة على سفوح تلك الجبال في مناطق شاهقة جدا لا تملك إلا أن تتساءل كيف استطاعوا بنائها على ذلك العلو أو من هو ذلك المؤمن حد التخمة الذي سيتسلق جبلا ليصلي في مسجد هناك بالرغم من عدم وجود طرق معبدة أو حتى سالكة له.


الجوز والشاي والبندق هو ما يزرعه الناس هنا ومنذ وطئت قدماي هذه الأرض وأنا أشعر بأني سنجاب صغير فالجوز والبندق في كل شيء، فالحلويات بالندق والجوز والمشويات لا بد وأن تحوي شيء من اللوز والبندق أيضا.. التذكاريات هي الأخرى لابد وأن تحمل في أحد جوانبها حبة بندق أو كوز ذرة.

قبل أن أقفل مقالي هذا لابد وأن أعترف بأني ذرفت أدمعا حارة عندما زرت إحدى المدن الواقعة فيما قبل الحدود، حيث اضطررت لزيارة صومعة مشيدة على ارتفاع آلاف الأقدام (ومرة أخرى لست أدري لم يبن المؤمنون مساجدهم، كنائسهم، أديرتهم وصوامعهم فوق سفوح الجبال حيث لا يسهل الوصول إليها!).. الطريق كانت بعرض ثلاثة أمتار تقريبا والجبل منحدر بشدة والسائق اللعين لم يرع فيّ إلا ولا ذمة فقد كان يقود السيارة بسرعة جنونية والأحجار تتساقط على جانب الطريق فيما هو يعدو بنا.

السائق كان على مشارف السبعين إلا أنه بصحة جيدة بالرغم من كونه مدخنا ككل الأتراك هنا، فالأطفال والشباب والنساء والعجائز والمرضى،،، الأحياء والأموات حتى كلهم مدخنون. أسناني تصطك وأطرافي أصيبت بخدر غريب وعيناي فقدت اتزانهما... رحت أتمتم بكلمات لا معنى لها.. ودعت الأهل والأصدقاء والأحبة.. نفحة إيمان لفحتني فيما حسبته آخر لحظات حياتي... تلوت سورة التوحيد وثلاث سور قصار أخرى.. أردت قراءة المزيد إلا أني اكتشفت ساعتها بأن هذا كل ما أحفظه من القرآن فأعدتهن جميعا قرابة المائة مرة أو أكثر.. عندما بلغت تلك الصومعة سببت كل من شارك في بنائها وقررت أن تكون تلك آخر زيارة أقوم بها لدار عبادة أيا كانت!


تحية ود،
أوزنغول - تركيا المحروسة
حسن الخزاعي

الثلاثاء، يونيو 06، 2006

ظلال الألم - 2

جئت أطرز الهم حروفا على ورقي وأنقش الألم خضابا.. جئت أجمعني.. أشعلني.. أحرقني ثم أذروني رمادا يقرأه الناس.. كتاب ذكريات مهمل، أنا.. جئت أقرأ نفسي لنفسي وأصب دموعي كدراً مقروء!

بعد ظهيرة ذلك اليوم، فتحت عيني لأجد النور قد انطفأ بهما. لم أصدق أن أحدهم قد سرق مني بصري وقد كنت أسلمت عيني للنوم بصيرة قبل سويعات. دُرت ببصر لا وجود له أبحث في المكان عما يمكن رؤيته.. مصباحنا المعلق في السقف أشاح بنوره عني وجدران بيتنا العارية ارتدت سرابيل سود لتختفي وسط بحر الظلام الدامس.

بكيت حتى أحسست بجفاف في حلقي دون أن يلتفت أليّ أحد فأدركت أني في البيت وحيدا ساعتها.. الصمت بحر ظلام آخر.. تتقاذفني أمواجه العاتية.. تغرقني.. اختنق بعبرتي.. أبكي.. أصرخ ثم أبكي وأبكي حتى تبل دموعي تلك الأسمال البالية المحتضنة جسدي الضئيل.

وقفت أتحسس الأشياء من حولي.. تعثرت ثم وقفت لأتعثر ثانية.. بضعة أقدام كانت تفصل بيني وبين الباب إلا أنها استغرقتني وقتا ليس بالقصير.. خرجت للحي مرنخاً بالعرق والدموع أسبح في بحر من الخوف والفزع.. طفل أعمى يحارب أشباحا عملاقة يبحث عن حضن يرتمي به فلا يجد إلا الجدران تصفعه وتتقاذفه.. يتحسسها بكفه الصغيرة وكأنه يستجدي منها شيء من حنان أو عطف فتصده ليجرب حظه مع حائط آخر... كأني كنت أسمع أحدهم يندهني إلا أن الغريق لا يسمع الأصوات جيداً، وكذلك كنت.. مضيت ميمما جهة بيت أحد الجيران كنت أعرف أن أمي عادة ما تذهب لزيارتهم بعد الظهيرة.

بابهم الخشبي المهترئ يفضي لباحة صغيرة، مفروشة بالرمل وسط البيت، ولجت الباب لأتعثر عند عتبته.. جرحت شفتي السفلى فاختلط الدم بالدموع بحبات الرمل.. أجهشت بالبكاء وأنا أحاول نفض الرمال ومسح الدم عن وجهي.. سمعت صوت أمي وبعض النسوة وهن يتراكضن نحوي... رفعتني عن الأرض ضمتني إليها ومسحت الدم والدموع عن وجهي ولم تكن تدرك بعد بأني عاجز عن رؤيتها.


يتبع<<<


تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة

الجمعة، مايو 19، 2006

نظرة إلى الذات


الأول:


عالق في طمي أحزاني، ألعق جراحاتي.. ألملم ذاتي.. أتكئ على حروفي وأواصل موتي بعينين مفتوحتين وقلب نابض حتى آخر نفثة دخان.. البارحة، قضيت الليل كله مكتئبا بعد أن اكتشفت حقيقة قبحي اللامتناهي.. أنا الذي كنت أعتقد بأني أكثر الرجال وسامة، ما تخيلت يوما بأني قميء لهذه الدرجة وبأني ربما أقبح حتى من ذلك الفساء اللعين.

لطالما عيرني بشعري الأجعد وادعى بأني أحول وبأن وجهي يشبه إلى حد ما مؤخرة نسناس مصاب بالبواسير، إلا أني لم أصدقه أبدا ولم أكن لألتفت إلا إلى سواد وجهه،، إلى عينيه المتخاصمتين،، إلى أنفه المفلطح وكرشه المتدلية حتى ركبتيه كثدي عجوز هافت.. اللعين ليس في وجهه ما يمكن النظر إليه البتة، فملامحه مختلطة على بعضها كقطعة براز طرية ورأسه صغيرة جدا كزبيبة يابسة.. إلا أني اليوم فقط اكتشفت بأني لست أفضل حالا منه أبدا هذا إن لم تكن حالي أسوء بكثير!

قرفص في زاوية بعيدة،، مج دخان سيكارته بشراهة.. تنهد بحرقة.. أطرق برأسه قليلا ثم أخرج ريحا على استحياء.. حرك جناحي أنفه وكأنه يتحرى شيئا ما.. أخذ نفسا عميقا.. تسللت الرائحة إلى جوفه.. أعجب بها.. بدا سعيدا لوهلة ثم ما لبث أن تذكر همه فعادت ملامح الحزن لتحفر أخاديدها على صفحة وجهه الكريه ثانيةً. عدل من جلسته،، أطلق العنان لمؤخرته وكأنه أراد أن يثبت شيئا هذه المرة،، رفرف بجناحي أنفه.. دخلت الرائحة إلى أعماقه دفعة واحدة دون أن تعطيه فرصة للدفاع عن نفسه.. اختنق.. تصلبت أطرافه.. فقد القدرة على المقاومة.. توقف عن الحركة فجأة ثم ارتمى على الأرض جثة هامدة.

مات ولم يفلتها من يده فقد أصبحت أهم عنده من كل تلك الكتب التي سطرها في مدح نفسه وتسليط الضوء على مزاياه وانتقاد خصمه وفضح نواقصه، فقد عرف اليوم من خلالها أن كل ما كتب عن نفسه لم يكن إلا محض خيال لا يمت إلى الحقيقة بصلة.


الثاني:


اللعنة هل هذا هو شكلي فعلا؟! إذن صدق ذلك الخراء الصغير.. فوجهي فعلا يبدو كإبط عجوز شمطاء، أجعد وحليق.. أنفي مفلطحة كرأس فأر معاق.. رأسي صغيرة وحدود فمي تبدأ من عند أذن لتنتهي عند تخوم الأخرى!

كنت أمشي بين الناس مختالا، كلي ثقة بأني وسيم جدا.. الكل يحدق بي وأنا أظن أنهم مفتونون بحسن مظهري وأفسر نظرات الإستياء على وجوههم بأنا مجردة غيرة وحسد... آآآه كم أنا أحمق

لست أدري بأي وجه ساواجهه غدا فلن أستطيع أن أعيره بعد اليوم فحالي من حاله تماما وكلانا أقبح من الآخر. ربما الأفضل مصالحته فلا فائدة من هذه الحرب القذرة الدائرة بيننا منذ زمن بعيد،، فاليوم نحن أبناء بلدة واحدة وكلانا قبيح وكريه وعبثا نعير بعضنا فذلك لن يغير من حقيقتنا شيئا.

ألقى بظهره إلى الحائط.. ضربها بقبضته.. فكر كم كان الأمر سيكون يسيرا لو أنه التفت إليها منذ البداية بدلا من خوض غمار تلك الحرب القذرة.. اكتأب.. كاد أن يبكي.. فجأة أصبح الهواء في الغرفة ثقيلا.. الحرارة شديدة والرطوبة مرتفعة للغاية.. تنفس بصعوبة.. تفصد جسده عرقا.. تذكر بأنه لم يستحم منذ مدة بل الأحرى بأنه نسي آخر مرة استحم بها.. رفع ذراعه عاليا.. دفن أنفه في إبطه ليشم رائحته.. أصيب بسكتة قلبية ومات!

هو الآخر لم يلقها من يده ورحل وهو ممسك بها.


=================================
في هذا الزمن.. زمن الطائفية البغيضة لا تنفع إلا المرايا لحل الخلافات فلو وزعت المرايا على الطوائف لربما أصبح حالهم كحال صاحبينا تماما،،، فكل طائفة أسوء من الأخرى إلا أنها لم تجد من يهديها مرآة بعد.


تحية ود،
حسن الخزاعي
دبي المحروسة

الأربعاء، مايو 03، 2006

ظلال الألم (قصة ساخر صنعته المأساة)

أي حظ عاثر أغبر هذا الذي رماني في هاته الجثة المقرفة وحكم عليّ بالانتظار داخلها لريثما يتفرغ السيد عزرائيل ويخلّص إضبارة أوراقي المرمية على مكتبه الفاره منذ ثلاث عقود.

أواسط سبعينيات القرن المنصرم أبصرت النور لأول مرة.. ولدت لعائلة فقيرة في بيت حُشرت به ثلاث عوائل تعداد أفرادها معا أربع عشر،،، منزلنا العتيق على أطراف حي رأس الرمان في المنامة القديمة كان بمساحة 12*25 قدما فقط، ولست أدري كيف أمكن لأربعة عشر نفسا أن تُحشر في علبة السردين تلك. في الدور الأرضي كنا نحن، أمي وأنا وإخوتي الثلاثة وجدي وجدتي وفي الدور الأول كان عمي مع زوجته وأولاده الأربعة.

لم تعرف جدران ذلك المنزل لون الطلاء قط وظلت أصابع بنائيه محفورة في الإسمنت على شكل خطوط طولية متموجة كالأفاعي، فيما كان خارجه من الحجر الأبيض. نافذة يتيمة هي التي كانت تطل على الشارع، تلك كانت نافذة الغرفة التي يسكنها جدي العجوز والذي أخلاها لنا بعد سنوات عندما تفرغ عزرائيل من مشاغله وخلص أوراقه التي ظلت تنتظر توقيعه المبارك أكثر من ثمانين عاما قضى آخرها طريح فراشه.

كتلة ظلام مصمتة تلك التي كنا نعيش بها، لا يكاد يقطعها سوى بعض شفرات من ضوء مصباح وحيد معلق وسط المنزل الذي طالما وجدته مرعبا كلما تراقصت ظلالنا العملاقة على جدرانه العارية.. لست أذكر كم مرة نمت خائفا والدموع تغسلني فقد ضيعت الحساب بعد المرة الألف.. بالرغم من أني لم أكن يتيما إلا أني قضيت الطفولة كلها كذلك، فوالدي يعمل خارج البحرين ويرجع لنا كل شهر مرة، عندما يصرف فيها نصف راتبه لشراء تذاكر رحلته تلك والنصف الآخر هدايا بسيطة ربما كان يحاول بها تعويض غيابه المستمر عنا أو لربما كانت من أجله هو لا من أجلنا نحن، فقد كانت فرحته أكبر منا عندما يأخذنا بين ذراعيه ويعطيني تلك الأشياء الصغيرة (تفاصيل صغيرة هي التي لا أذكرها إلا أني أحسبه بكى مرة أو مرتين).. أما باقي أيام الشهر فنقضيها أنا وإخوتي كاليتامى تماما..


كل عذاباتي مسببها واحد تقريبا، هو هذه الذاكرة التي لُعنت بها.. لا يمضي عليّ كثيرا حتى تعود وتصلبني أمام صور مؤلمة يرجع عمرها إلى أكثر من ثمانية وعشرين عاما، ربما لم تكن أسناني اللبنية اكتملت بعد .. صورة أمي التي لم تفتأ تبكي وحدتها كل ليلة، جالسة عند رأسي معتقدة أن أفراخها قد ناموا، ولازلت أسمع صوت أختي الوحيدة وهي تنشب باكية لبكاء أمها، عبثا تحاول كتم أنينها الكئيب الذي لازالت أحس بحرارة سكاكينه تقطع في قلبي.

البيت كان خال من الأثاث تقريبا عدا مناماتنا الإسفنجية ومسندين محشوين بالقطن، لم يكن عندنا هاتف أوتلفاز بل ولا حتى سخان ماء وأذكر تماما كيف كنت أرتعش من البرد في الشتاء تحت صقيع الماء المنصب من الصنبور.. أبكي رافضا الاستحمام وأمي تحاول يائسة إقناعي بأن الأمر سهل وبأن الماء فاتر.. أناملي الصغيرة كانت تزرق ونهر دموعي يضيع وسط صبات الماء المتثلجة من طست معدني هو في الأصل إناء يستخدم لصناعة الحلوى البحرانية ولست أدري كيف أصبح بعد ذلك وعاء ماء للاستحمام.

عندما تكون فقيرا وسط فقراء لا يغدو الأمر مشكلا أبدا، فجل عوائل الحي كانت مثلنا إن لم تكن كلها عدا واحدة أو اثنتين إحداهما عائلة خال أبي المترفة.. لم أسمع يوما أمي تشكو فقرنا أو تتبرم من تلك الحال فنحن كالآخرين ولربما كنا أفضل من كثير منهم..
خمسون فلسا كانت مصروفي اليومي عند خروجي وأخي قاصدين مدرسة الرشيد الابتدائية وسط دهاليز أزقة الحورة، وكان عليّ أن أختار بين قنينة مشروب غازي أو سندويشة رخيصة من تلك التي تباع في مقاصف المدارس ومرات كثيرة كنت أتبادل الأدوار مع أخي الأكبر فأشتري المشروب وهو يتكفل بالسندويشة – أو العكس - ثم نقتسمهما فيما بيننا.
رتم الحياة الممل استمر كما هو حتى تعرضت لذلك الحادث الذي غير نظرتي لهذا العالم تماما، ففي إحدى المرات عند عودتي من المدرسة وقت الظهيرة والشمس القاسية تتلذ بشي أجسادنا الضئيلة، تعرضت لضربة قوية من حمار حساوي ضخم يجر من ورائه عربة عليها براميل كيروسين، كانت الضربة على الرأس مباشرة فأصبت بشيء ما في شبكية العين وفقدت البصر تماما...

يتبع>>>


يومكم سعيد،
حسن الخزاعي
روتردام المحروسة

الاثنين، مايو 01، 2006

جلسة طارئة

شيئان لا حدود لهما، الكون وغباء الإنسان إلا أني لست متيقناً بشأن الأول.

آينستين تقدست أسراره
..............................................
توترت أعصابه وتفصد جبينه عرقا ثم أُصيب بخدر غريب في أطرافه.. فجأة وعلى غير عادته، أخرج سبابته من أنفه، كمن يستل سيف من غمده، ثم دسها بسرعة تحت "شماغه" المسبل على كتفيه.. حك بها ما تبقى من شعر رأسه وتنهد..

لو كان الأمر محصوراً في هذه الحرقة التي يحس بها في مؤخرته لهان الأمر ولتجلد وصبر واحتسب، وله في ذلك أجر كما أخبره مشايخه، وهو على كل حال معتاد على ذلك النوع من الألم الحراق منذ ريعان شبابه عندما أصيب بداء في دبره تداوى عنه بتحاميل لزجة تركته مفرجا بين ساقيه ليومه هذا! إلا أن هذا الامتلاء الكريه الذي ينفخ كرشه المدببة بقوة ويدفع بالغازات المضغوطة داخلها نحو الأسفل لا يمكن السكوت عليه أبدا فهو كفيل بإحداث فضيحة قومية وتشويه سمعة البلد عالميا وربما أساء للصحوة الإسلامية في الداخل والخارج وربما استغله بعض الزنادقة والمنحرفين الصغار للنيل من مكانة طائفته المنصورة بإذن السماء!

قرأ بعض الأدعية والأذكار،،، ابتهل إلى السماء،،، هلل وكبر وكاد أن ينبطح على وجهه ويصلي صلاة الاستسقاء والميت والغائب دفعة واحدة، إلا أن الشيطان الساكن في تلك الغازات يأبى الخروج إلا معها،،، عبثا يحاول التغلب على تلك القوة المندفعة نحو الخارج قهرا،،، يقاوم انفلات عقالها كيلا تفضحه،،، تمانعه،،، يغير من جلسته،،، يقرقر بطنه،،، يكح ويتحمحم كي لا يسمع أحد تلك القرقرة،،، الأعين الفضولية لا تمنحه تلك الفسحة من الوقت التي يحتاجها لتجاوز الأزمة،،، يتظاهر وكأنه يعدل "بشته" فوق كتفيه... يتمنى لو أن يكون ذبابة صغيرة، فهذه اللعينة فساءة محترفة تملأ الأرض فساءاً ولا يلتفت لها أحد.

احتدم النقاش وتعالت الأصوات واشتدت حرارة الجلسة.. الكل يطلب فرصة للكلام ورئيس الجلسة أبلى مطرقته ضربا على تلك الطاولة، عبثا يحاول تهدئة النواب الغاضبين.. الضغط يزداد والمقاومة الباسلة لا تكاد تصمد أمام ذلك المد الغاشم... يرفع يده كما الآخرين مطالبا بفرصة للكلام.. رئيس الجلسة يمنعه.. يصرخ مطالبا بلحظات يشرح فيها حاله.. ينهره ويخبره بأن هناك من طلب الكلام قبله..

- أنت لا تعلم ضرورة ما أود قوله
- اجلس مكانك وانتظر دورك
- لا قدرة لي على الانتظار فالوضع حساس جدا والحاجة ملحة!

انقسم المجلس إلى فسطاطين حسب المذهب كعادتهم دائما.. فرقة تؤيد أن يُعطى فرصة للكلام قبل الآخرين لأهمية ما يريد قوله وأخرى تناكف رافضة وتصر على أن ينتظر دوره كما الآخرين.. صرخ بهم .. هدد وتوعد إلا أنهم أصروا على رأيهم ورئيس الجلسة محتار بين الفريقين..

لحظات صعبة وحاسمة.. ساعة مخاض مؤلمة.. آلام الطلق قد بدأت وليس بيد أحد إيقافها.. تلوى كأفعى مصابة بمغص كريه.. وقف ثم جلس ثم وقف وجلس.. تمرغ على مقعده وكأن به حكة في أماكن لا يمكن الوصول إليها.. بدأ يصدر أصواتا غريبة.. خرج من فمه زبد أبيض.. تأوه وتنهد ثم أنّ أنين يدمي القلوب.. أمر بعض النواب بطست ماء حار فأحوال الرجل لا تطمئن.. وقف فجأة رافعا يده اليمنى ثم أشار بإصبعه نحو السماء.. تأوه بقوة ثم أسمع الحاضرين مقطوعة لم يسمعوا مثلها من قبل!

فر من استطاع الفرار.. ورئيس الجلسة يضرب بمطرقته وهو يصرخ "الله أكبر.. الله أكبر".. بعضهم انخرط في بكاء صعب وعانق من كان بجانبه وآخرين استغشوا ثيابهم طلبا للأمان.. أحدهم أصيب بحالة هستيرية وراح يصرخ "الموت لنانسي عجرم وروبي وعثمان الخميس"!

بعد ساعة أو نحوه أفاق الجميع من تلك الصدمة ثم التأم المجلس مرة أخرى وأجمع أعضاءه، وللمرة الأولى، على اختلاف مذاهبهم ومللهم ونحلهم على أمر واحد هو "أن ما تفضل به النائب المحترم هو خير ما قيل في هذا المجلس منذ إنشائه".

تحية ود،
حسن الخزاعي
روتردام المحروسة

الاثنين، أبريل 24، 2006

كاماكازي



هذا القلم اللعين يأبى إلا أن يرضع من دمي، يقتات عليّ، يستهلكني، يهضمني ثم يرميني حروفاً بلهاء لا معنى لها في عراء صفحات باردة معلقة في فراغ أفكاري لا يسندها شيء. هو في دهائه كامرأة، تنساق إليك مطواعة حتى تحسب أنك امتلكتها ثم لا تلبث أن تجد نفسك ثور محراث، يجره من ورائه، معتدا بنفسه، يظن أنه يقوده وهو مُقاد لا يملك من أمر نفسه شيئا.

غسلت أمطار الصباح جسد المدينة المدنس بأدران الليل، تثاءب الفجر على أعجازها وأشرقت من بين أضلعها شمس لا زالت تغط في بحيرة من صُهارة نحاس منداحة حتى أقدام السماء... خرجتُ والفجر في أوله، شبح أمشي وسط هالة من دخان أزرق أجر قدمين من رصاص مصمت، جثة هامدة لا يربطها بالحياة سوى الألم... تمنيت لو أن أحدهم يغرس في صدري خنجر ساعتها، تملكتني تلك الرغبة فعلا، أغمضت عيناي وفتحت ذراعاي كجناحي كاسر منكسر، انتظرت الطعنة،،، استقبلتها،،، شعرت ببرودة النصل وهو يخترق جسدي المعذب،،،

داعبت خصلات شعري نسمة هواء لطيفة،،، كشفت عن جبيني وطبعت عليه قبلة وداع ففتحت عينيّ علّه يكون آخر ما أرى، فإذا بعجوز بدينة تهرول نحوي مسرعة وذراعيها مشرعتين هي الأخرى ربما ظنتي فاتح ذراعي لأحتضنها،،، أطلال شعرها الأبيض تتطاير خلفها في هيئة جدنتين خفيفتين مربوطتين بشرائط خضراء،،، ترتج كقربة مليئة بالماء،،، تقترب مني مسرعة،،، تباطأ الزمن،،، رجليها السمينتين تتحركان ببطئ في الهواء وأصوات الأشياء بدت مبهمة تماما،،، لحظات ثم عاد الزمن بالتحرك مرة أخرى،،، سقطت يداي إلى جانبي وكأن الحياة قد فارقتهما فجأة،،، انفلت لساني من فمي وتدلى كفردة نعل مطاطية مهترئة،،، أصيبت عيني بحول قهري،،، رأيت عشر نسخ من تلك الخراءة كل واحدة تقترب مني من جهة مختلفة،،، تبخرت لذة الحلم الذي كنت أعيشه،،، أعتراني خوف لم أشعر بمثله من قبل،،، لملمت ما تبقى مني وأطلقت رجلي للريح،،، لحقتني وهي تصرخ من ورائي "قف ... قف"!

دار قرص الذكريات وأنا أفر هاربا منها، فاجتررت كل ما مر بي في حياتي البئيسة،،، صوتها يحشرج في أذني كصدى ظل ثقيل من بقايا الماضي،،، "قف .. قف"،،، تذكرت لحظتها اغنية المقدمة لبرنامج مروري قديم،،، "قف.. الأمن والسلامة الأمن والسلامة لكل من يستخدم الطريق"!!!

أقسم بكل مقدس بأن لو كان الموت عجوز خرفة بدينة كهذه فإنني لن أتمناه أبدا بعد الآن.


تحية ود،
حسن الخزاعي
روتردام المحروسة

الثلاثاء، أبريل 18، 2006

وجع

لست صنيعة الألم وأقسم بكل الآهات الحُبلى بأجنة الرجاء أني أبدا لن أكون،،، أنا الألم ذاته، أنا الوجع كل الوجع بل أنا قلب الوجع الرازح فوق خلاياي النازفة هما سرمديا أبدي... عشر ليال مضين ولم تبرد جهنم التي اشتعلت في رأسي فجأة، نهشت لحمي حتى صرت لا أعرفني، فالحرارة عندما تربض عند تخوم الأربعين وتنبح مستزيدةً، لا تترك في يافوخ المرأ ما يفكر به.

خرجت من المكتب أحبو، أو كذلك هُيأ لي، قاصدا محطة القطارات المجاورة التي تبعد مسافة عشرين دقيقة في العادة إلا أني وبعد أن تقيأت الساعة دقائقها الستين لم أكن قد قطعت نصف تلك المسافة بعد... كل العجائز مروا من هنا، الخرفون، الفساءون والنتنون كلهم جاءوا من خلفي يجرون خطاهم المثقلة بتواريخ متخمة بقصص عشق ومجون، مروا بجانبي، لفحتني رائحة البسكوت القديمة المنبعثة من معاطفهم الصوفية الداكنة، ثم سبقوني فيما أنا لا أزال أخب في وحل أوجاعي دون جدوى...


استبد بي الألم، بدأت الدنيا تمور بي، الأرض تدور من تحتي وكأن جان كان قد تلبسها، الأشجار تلف، البيوت تلف، كل شيء يلف من حولي دون توقف، أقعيت على مؤخرتي وسط الطريق ثم قرفصت كمن سيقضي حاجته في العراء! مرت بي عجوز نحيلة ضئيلة، أرق من نخالة الرز حتى أني وجدت اسم "شلبة" (بشين مكسورة ولام ساكنة) مناسباً لها كثيرا إلا أنه بدا لي مدراً للبول بعض الشيء. توقفت عندي ثم حدجتني بنظرة، وأنا على تلك الحال، وقالت وابتسامة خبيثة مرتسمة على فمها الأدرد:

- نيت خود، ستا أوب ان إير (ليس جيدا، انهض وخذ هذه)

أخرجت من جيب معطفها الزهري، بيضة.. أظنها بيضة عيد فصح كانت،،، مسحت عليها بيدها الجعداء ثم قدمتها إليّ منتصبة بين أصابعها المزمومة... لم أستطع ابتلاع الإهانة، فأخذت البيضة وعيني تقدح شرراً، مددتها إليها منتصبة كما قدمتها إليّ،،، وددت لو أن باستطاعتني أن أفحش لها بالقول،،، هممت أن أقول لها "امسحي عليها ثم احشريها في ......" إلا أني ذا أدب جم يمنعني من أن أتفوه بأشياء كتلك التي كانت تنوس في خاطري لحظتها!

بالرغم من أني لم أنبس ببنت شفة ولم أفصح عما كان يجوب في خاطري ساعتها، إلا أنها بدت وكأنها فطنت لما أعنيه، فابتسمت حتى بان احمرار لثتها الملساء وكررت وهي تحرك رأسها بغنج:

- نيت خود.. نيت خود (ليس جيدا.. ليس جيدا)

ضحكت بفجور، ضحكت أكثر وأكثر ثم استدارت وواصلت طريقها وهي تقهقه دون توقف.


تحية ود،
حسن الخزاعي
روتردام المحروسة

الأحد، أبريل 02، 2006

ضائع في الترجمة

الورقة... هذه العاهرة الجميلة، عشقتها حد الكره، حد الإحساس بندم قاتل بعد كل مرة أطأها بقلمي، ندم ينهشني بعد أن أرمي عليها حروفي وأقذف فيها أفكاري،،، ترى كم مرة أقسمت أن لا أعود؟! لست أدري، غير أني في كل مرة كنت أعود إليها مطئطئا رأسي كجرو صغير، أعود إليها علها تقبل بي، تلفني، تغطيني، تدفئني، تحتضنني ثم تسحقني، تكتبني ومن ثم تتلوني...

العطلة الأسبوعية، أجراس الكنائس، أصوات القطارات وصمت ثم صمت ثم صمت لا يتبعه إلا صمت،،، "ضائع في الترجمة"، غريب في بلاد ليس له فيها أحد، لا يجد من ينظر إليه، من يكلمه أو حتى من يلقي عليه تحية!

البرد الشديد لم يمنعن من الجلوس على الشرفة هذا الصباح، ألعق ثفل فنجاني، وبشراهة محروم، أمج دخان سيجارة ممعّجة كانت في جيب معطفي من البارحة عندما عدت للمنزل مرنخّاً بماء المطر، مغسول من كاهلي لكاحلي كشراع سفينة ضلت طريقها وسط اللجة، كفرخ طائر ظلت السماء تنز عليه حتى سغسغ زغبه... إلا أني لم أحتمل البقاء هناك طويلا، فالشرفة سجن آخر ينهب سنوات العمر كما تنهبها الوحدة، فيما السيجارة تُحرق باقيها،،، خرجت ميمما صوب حديقة صغيرة تستند بظهرها إلى محطة القطار، عليّ أجد لي متنفساً هناك...

جلست على أحد الكراسي الخالية وأخرجت من جيب معطفي الطويل، رواية أقرأ فيها وعلبة تبغ لففت منها سيجارة، بعد لحظات جلس على الطرف البعيد من الكرسي رجل عجوز، طويل ونحيف كدقل شاهق، كان متزنرا بقميصه وبين وسطاه وسبابته ترتعش سيجارة احترق ثلثاها،،، وجهه أبيض ممعّج، كسيجارتي تلك تماما، وتفوح منه رائحة بسكوت قديم وشيء من بقايا جبنة عتيقة وقديد مالح... لم ألق إليه بالاً ولم ألتفت صوبه، إلا أن الحروف العربية على صفحات الرواية التي كنت أقرأ فيها، أثارت فضوله أو لربما استفزته فأخذ يقترب مني رويدا رويدا حتى توسط الكرسي،،، رفعت رأسي أنظر إليه فتظاهر بالنظر إلى جهة أخرى،،، عدت أقرأ،،، ظل رأسه كان يشرئب على صفحة كتابي،،، يكبر ويكبر،،، يقترب أكثر،،، ولج الصفحة الأخرى... باغته بنظرة سريعة فالتفت نحو الجهة الأخرى وكأنه غير مكترث لوجودي!!! مججت سيجارتي بحنق، وعدت للقراءة... اقترب مني أكثر،،، كاد جسمه يلاصقني،،، رائحة البسكوت القديمة تكاد تخنقني، ظله غطى الصفحة كلها،،، رميته بنظرة ازدراء،،، لم يلتفت صوب جهة أخرى هذه المرة بل فغر شدقيه وتثاءب،،، كشف عن فاه لم تقف فيه ولا حتى ضرس واحدة فيما انداح لسانه للخارج كسجادة حمراء طويلة،،، خُيّل إليّ وكأنه ضب أدرد ضخم فغر فاه ليبتلعني،،، ناست في خاطري فكرة شريرة،،، أن أتف في رقبته وأطفئ عقب السيجارة في أذنه ثم أهرب غير أني آثرت الابتعاد عنه دون مشاكل.

بحثت في الحديقة عن كرسي آخر لأهرب من ذلك الفساء النتن، فلم أجد أي كرسي خال فجلست على واحد كانت تشغله عجوز قصيرة لا بد وأن مدة صلاحيتها انتهت منذ أمد بعيد، بينها وبين القبر عطسة ليس إلا،،، كانت رائحة البسكوت القديم تفوح منها هي الأخرى،،، كل العجائز هنا، تفوح منهم تلك الرائحة!!! تحت قدمها أقعى على مؤخرته كلب صغير بشع وأخذ يهر دون توقف،،، ألقيت عليها التحية فرازتني بنظرة، قاستني طولا وعرضا ثم لم ترد إليّ تحيتي!!! كلبها اللعين لم يكف عن مضايقتي، نبح عليّ، لعق حذائي ثم نفض الماء عن جسمه وبللني... أقسمت أن لا أترك الكرسي هذه المرة وأن أبقى مزروعا فيه مهما كلف الأمر،،، نظرت للعجوز بطرف عيني، نظرة شبقة ورسمت على شفتي ابتسامة خبيثة فطأطأت رأسها خجلا كعذراء في ليلة دخلتها،،، ضحكت ضحكة شريرة بصوت منخفض إلا أني تعمدت أن تسمعني،،، ضمت ركبتيها واحتضنت شنطة يدها السوداء،،، انسحبت للطرف البعيد من الكرسي، انكمشت كما السيدة ملعقة (رض) وظلت تراقبني بحذر وتوجس... رفعت رأسي فجأة،،، حولت عيني،،، نظرت إليها، حركت لها حاجباي، نضنضت لساني كأفعى سامة، ابتسمت لها ابتسامة خرقاء ثم خاطبتها بالعربية وبلهجة بحرانية قحة "شحوالش حاجية؟!"

اضطربت،،، صرخت،،، لملمت حاجياتها،،، ترعبشت على الكرسي وفرت هاربة وهي تمتم بأشياء لم أفهم منها شيئا.


تحية ود،
حسن الخزاعي
روتردام المحروسة

الاثنين، فبراير 27، 2006

رابع التابوات



بائس هو كل ما يتطرق له العرب هذه الأيام فلقرون خلت لم ينتج هؤلاء شيء يستحق القراءة بل حتى أن المتثاقفين منهم عندما عرّفوا التابو، أو المحرمات التي لا ينبغي التطرق لها علناً، وتجاسروا على تحديها والخروج على العرف العام، حصروها في ثلاث، هي الدين والسياسة والجنس وفشلوا في تسليط الضوء على بعد رابع ربما يكون أهم من تلكم الثلاثة الماضية، ونحن هنا، وبتواضع شديد، نُعد أنفسنا أول من أماط اللثام عنه وأشار إلى مظلوميته.



يقضي العربي في بيوت الخلاء أكثر مما يقضيه غيره حتى أنه أفرد لها أبوابا في فقهه وسن لها آداباً وبروتوكولات معقدة وأدعية قبل خروج الريح وبعدها وقبل الجلوس في الكنيف وعند الخروج منه وأخرى تحدد القدم التي يُدخل بها إليه والأخرى التي يُخرج بها منه حتى صار الواحد منا يتنطط كالسعادين عندما يهم بدخول الحمام فساعة يرفع رجله اليمنى ثم لا يلبث أن يعيدها ويسحب الأخرى ثم يتلوى على أنغام الأدعية والترنيمات الخاصة بذلك الحدث المهم والخطب الجلل. بالرغم من كل هذا إلا أن أحدهم لم يكلف نفسه عناء التوصيف الدقيق لتلك الفترة الزمنية المنسية من حياة الفرد العربي بالرغم مما تحمله من معان توصيفية دقيقة لحياته وخطابه الذي لا يختلف كثيراً عما يدور داخل بيوت الأدب.


لحظة المخاض تلك، تبدأ بشيء يشبه الألم يحاول الواحد منا تجاهله إلا أنه لحوح لا يلبث أن يعود فيزداد شيئا فشيئا إلى أن يتحول إلى مغص ثم تتلوه تقلصات شديدة تصيب المرأ بما يشبه الشلل فتلتوي أطرافه على بعضها وتعلو وجهه تعابير إكزوتيكية غريبة، يتصبب عرقاً وتتنامى قوة ضغط داخلية إلى أن تصل لحظة الانفجار فيخرج الخطاب العربي مدوياً، وفي أحيان كثيرة ذا رائحة أيضاً، إلا أنه وبعد ثوان ترتخي الأطراف وتهدأ الأعضاء وكأن شيئاً لم يكن وتستمر حالة السكون تلك إلى لحظة مخاض أخرى لتجتر الأحداث ذاتها.



ألم أقل لكم بأن العرب تجاهلوا ما يحدث في كُنفهم حتى عجزوا عن توصيف خطابهم?





تحياتي،
حسن الخزاعي
دبي المحروسة

الأحد، فبراير 19، 2006

كراتشي


كانت عندي رغبة حقيقية لاختراق هذا المجتمع والتعرف على تقاليده وأعرافه إلا أن لغتي الأردية المتردية لم تسعفني على ذلك كثيرا، مع ذلك لم أستسلم لليأس فمنذ أن وطأت بقدميَّ المقدستين على هذه الأرض الطاهرة وأنا عاكف على اقتيات الپان والسموسة وأشياء أخرى صغيرة، مدورة ومكورة، لست أعرف لها اسماً بل ولست أدري مما تُصنع حتى،،، عندما ألوك شيئاً من الپان، وتنبعث مني رائحته العبقة، تتجمع في فمي كمية لا بأس بها من لعاب أحمر جميل ذي طبيعة لزجة، أمضمضه قليلاً ليتخلل المسام الضيقة بين أسناني ثم لا ألبث أطلقه مسرعاً ليستقر على جدار مجاور،،، هنيهات فيسيل منه هيدب رقيق يتهادى بوقار متجهاً صوب الأرض في دليل عملي آخر على قوة الجاذبية الأرضية وإعجازها وإمعاناً في التمويه ربما احتجت لأن أدندن أغنية هندية قديمة مدعياً الاندماج والتأثر بكلماتها وما تحمله من صور بلاغية دقيقة!

رافقني النحس، بطبيعة الحال، إلى كراتشي أيضا إلا ان الاضطرابات هناك لم تمنعن من التوغل في أزقتها العتيقة فملامحي العربية لم تكن لتفضحني بين الباكستانيين فشكلي لم يكن مختلفاً عنهم كثيراً كما أني إلى جانب "أتشا" و"تيكها" أعرف ثلاث أو أربع كلمات أردية أخرى أستخدمها كذخيرة للتمويه عند الحاجة وإذا ما تعقدت الأوضاع أكثر أدعيت بأني أبكم أو بأني مصاب بحالة تخلف عقلي حاد فأفلت بسلاسة من المضايقات.

داخل الحافلات المكتظة بأكوام البشر المحشورين فيها كالتمر المكنوز، أصبت بحالة فقد تام لحاسة الشم فأمام رائحة الأجسام المتعرقة والأفواه الحمراء الممتلئة بالپان وممارسة البعض لحرية التعبير من كل فتحات جسمه دون حدود، أمام كل تلك الروائح العطرة كان أمامي خيارين لا ثالث لها فإما الاستشهاد مختنقاً أو أن تتعطل تلك الحاسة اللعينة فوراً ولحسن حظي شاءت السماء أن يكون خياري هو الأخير،،، لا بد أن أذكر بأن لبس "الجينز" في كراتشي ليس بالفكرة الصائبة أبدا، خصوصاً إذا ما شئت إن تمتطي أحد تلك الحافلات، فذلك السروال الضيق اللعين يثير في البعض رغبة إيروسية غريبة وذات طابع شبق أيضا فلا تجد نفسك إلا وكأنك مغناطيس يجذب إليه الأجسام الأخرى ويثير فيها رغبة في الالتصاق أكثر مما ينبغي وإذا شئت تعقيد الأوضاع أكثر فارتدي عطراً فرنسيا لتجد أحدهم وقد دس أنفه في صدرك وكاد أن يضمك إليه!!! أما إذا وجدت نفسك كما كنت فلا تغتاظ كثيرا وحاول الاستمتاع بوضعك الجديد دون تبرم أو تململ فالرحلة لن تستغرق سوى ساعة أو بعض ساعة...


تحياتي،
حسن الخزاعي
كراتشي المحروسة

الأحد، فبراير 05، 2006

مقاطعة


نشر السيد كارستن يوسته رئيس تحرير يولاندس بوستن الجريدة الدنماركية التي أصبحت واحدة من أشهر الصحف الأوربية في الشرق الأوسط بعد أن لم يكن أحداً قد سمع بها من قبل، نشر رسالة على صدر موقع الصحيفة على الأنترنت ووجهها إلى مسلمي الدنمارك والعالم مفتتحاً إياها بتحية الإسلام، "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، في إشارة لاحترامه لمعتقد مخاطَبيه. الجدير بالذكر أنها لم تكن الرسالة الأولى التي تنشرها الجريدة ففي المرة الأولى لم تكن الرسالة رسالة اعتذار بقدر ما كانت رسالة إيضاحية إلا أن هذه المرة كانت الرسالة رسالة اعتذار من الطراز الأول حيث كرر رئيس التحرير مصطلحات الأسف والاعتذار ست مرات في رسالته ذات الست فقرات.

شخصياً أنسب الفضل إلى نفسي في كل ما حدث وفي نجاح تلك المقاطعة الشاملة للمنتجات الدنماركية وإجبار الصحيفة المذكورة على تقديم اعتذارها، ذلك أني كنت قد نشرت، قبل أيام، أخبار عن كتابي المعنون بـ "الأبقار في سياسة الأمصار" وملحقه الموسوم بـ "دور البقر في إدارة البشر" وحتماً أن الضغط الذي تتعرض له الدنمارك كان نتيجة لمقاطعة أبقارها التي صارت الواحدة منها تنوء بحمل ضرعين ممتلئين حليباً لا حاجة للناس به.

لأول مرة في حياتي أشارك في مقاطعة ما، بعد مقاطعة "البيبسي" الشهيرة إبان الإنتفاضة الشعبية في التسعينيات، والتي أجبرت شركة أحمدي بأن تتبرع بآلاف العلب من ذلك المشروب لمآتم الشيعة في المحرم إلا أن هؤلاء رفضوها حتى مجاناً وأذكر حينها كيف كانت الناس تنظر لمن يتجاهر باحتساء ذلك المشروب المقاطع فقد كان الخروج للشارع بدناني الخمر أخف وطئاً على الناس من رؤيتك حاملاً لعلبة الـ"بيبسي" وأعترف للتاريخ بأني خرقت ذلك الحظر على الـ "بيبسي" أكثر من مرة وبأني كنت أحتسيها خلسة داخل السيارة بعد أن أكون قد لففتها بالقراطيس حتى لا يلتفت إليّ أحد!

حتى أن أمي، أطال الله عمرها الشريف، ظبطتني بالجرم المشهود في إحدى المرات وقد اختليت بنفسي في زاوية خلف المنزل أحتسي البيبسي وأمج سيجارة LM رخيصة الثمن حيث أن ميزانيتي المتواضعة تلك الأيام لم تكن لتسمح لي ببذخ المارليبورو البيضاء أو الحمراء بل أنني في مرات كثيرة كنت ألجأ مضطراً لسيجارة "البيري" الهندية وهي أرخص السجائر ثمناً على الإطلاق إلا أن لها رائحة كالضربان تماماً، تصيبك بحالة هلوسة وتوعك معوي وتقيء فكري يعقبه حول جندري من نوع خاص ومن ثم تطفق تفكر في أشياء غريبة لا ينبغي أن يفكر بها الرجال بتاتاً!!!

عندما شاهدتني وأنا على تلك الحالة صُدمت وصرخت بي والدموع ملء عينيها:
- بعد الجگارة وگلنا أمرنا لله،،، ألحين وصلت فيك المواصيل للبيبسي؟!!!

تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة
رسالة كارستن يوسته:

دعوني أولاً أؤكد على أن صحيفتنا يولاندس بوستن تؤمن وتثّمن حرية الإنتماء الديني وتساند الديمقراطية وتحترم كل فرد. نحن نعتذر على سوء التفاهم الكبير الذي حصل حول الرسومات التي شبهت الرسول الكريم محمد (ص) وأدت إلى نمو مشاعر العداء للدنمارك والدنمركيين، بما في ذلك الدعوة إلى مقاطعة البضائع الدنماركية. وهنا اسمحوا لي بإيضاح بعض النقاط آملاً إزالة سوء الفهم هذا.

قامت صحيفة يولاندس بوستن بتاريخ 30/9/2005 ميلادية بنشر اثنتي عشر صورة للنبي محمد (ص) رسمها رسامون دنماركيون. ومن المهم جداً الإشارة إلى أن هذه الرسومات لم يكن القصد منها النيل من شخص النبي (ص) بتاتاً، أو الحط من قيمته، بل كانت مدخلاً للحوار حول حرية الرأي، التي نعتز بها في بلادنا. ونحن لم ندرك حينها، مدى حساسية المسألة للمسلمين الذين يعيشون في الدنمارك وملايين المسلمين في العالم. كما أن نشر هذه الرسومات لم يتعارض بأي شكل من الأشكال مع القوانين الدنماركية فيما يتعلق بحرية الصحافة وإبداء الرأي.

لكن هذه الرسومات أساءت كما يبدو إلى ملايين المسلمين في كل أنحاء العالم، ولذلك نحن الآن نقوم بتقديم اعتذارنا وأسفنا العميق لما حدث لأن هذا بعيد كل البعد عن قصد الصحيفة، التي سبق لها أن حصلت على جائزة الامتياز من مفوضية الإتحاد الأوروبي، وذلك إثر نشرنا العديد من المقالات في ملحق خاص يدعو للتعايش السلمي، والاحترام المتبادل بين الدنماركيين وكل الأقليات الأخرى في الدنمارك. وهذا الملحق شمل على العديد من المواضيع التي تحلت بالإيجابية عن الإسلام والمسلمين.

والذي حدث فيما بعد هو، أن رسومات (مقصودة) مسيئة للإسلام ونبيه الكريم محمد (ص) نشرت وعرضت في العالم الإسلامي، هذه الرسومات لا تمت إلى صحيفتنا ولا علم لنا بها، ونحن منها براء، لإنها لم تنشر في يوم ما على صفحات يولاندس بوستن. نحن نحرص دوماً ونؤكد على الأخلاق الرفيعة المبنية على أسس احترام المبادئ. لذا فإننا نبدي أسفنا العميق، كون البعض ما زال يعتقد بصلتنا وعلاقتنا بهذه الرسومات المغرضة.

وكي نعود إلى الرسومات الإثنتي عشر والتي نشرت لدينا فإن البعض يعود إلى سوء فهم مبني على اختلافات ثقافية، دون أن نفضل ثقافة على أخرى، قدمت وكأنها حملة شرسة نشنها على المسلمين في الدنمارك والعالم أجمع. هذه الفكرة نرفضها ونشجبها، لأننا نؤمن بحرية الأديان أياً كانت، ونقدس حرية الفرد بممارسة شعائره الدينية، ولم ولا نفكر بالمساس أو الإعتداء على أي ديانة. فإننا نأسف على إساءة فهمنا، ونؤكد أن المقصود لم يكن أبداً النيل من أحد.

وفي محاولة جادة من طرفنا لإزالة سوء التفاهم هذا، عقدنا العديد من الاجتماعات مع ممثلي الجالية الإسلامية في البلاد، وتمت الاجتماعات في جو إيجابي، والحوار كان بناءً. كما أننا نسعى وبكل الطرق لاستكمال روح الترابط والحوار مع المسلمين الدنماركيين.إن رغبتنا أولاً وأخيراً، هنا في الصحيفية، هي التعايش السلمي بين الشعوب، ونتمنى أن تسود روح الحوار، حتى لو اختلفت الآراء.
أخيراً، دعوني، وعلى لسان صحيفية يولاندس بوستن أعلن اعتذاري لما حدث وأعلن استنكاري الشديد لأية خطوة تستهدف النيل من أديان، قوميات أو شعوب معينة. وكل أمل أن أكون بهذا قد أزلت سوء التفاهم وبالله التوفيق.

مع أطيب التمنيات
كارستن يوسته
رئيس تحرير صحيفة يولاندس بوستن

الأحد، يناير 29، 2006

يوميات

حظي المنحوس لا بد وأن تكون ذبابة منحرفة من طراز تسي تسي الفتاكة قد زارته في يوم أغبر، فمنذ أن نُكبتُ بمعرفته وهو لا يكاد يفيق أبدا وإلا كيف يمكن لي تفسير هذا النحس الذي لا ينفك يطاردني حيث ذهبت؟! أو ربما كان في السماء من يكن لي حقداً دفيناً ولا يفتأ يشيني عند الرب ويؤلبه عليّ ليحيل كل مشاريعي إلى "فشاريع" مكتوب عليها الفشل حتى قبل أن تبدأ!

قبل يومين كان الجو حاراً بعض الشيء عند خروجي من المنزل صباحاً،،، امتطيت سيارتي العجوز، المعروفة بـ "معصومة" بين نساء الحي،، أدرت مكيفها فتمطّى وفغر فاه متثائباً ليعلن عن صحوة طال انتظارها بعد بيات شتوي استمر أشهراً عدة،،، عطس في وجهي عاصفة من الغبار والأتربة المحملة بأجنحة الحشرات التي لم تجد مكاناً لتنتحر فيه غير مكيف سيارتي البائسة،،، انتفضت "معصومة" وكأنها في حفلة فجور ماجنة وعلا منها شخير ونخير وتأوهات إيروسية فاجرة حتى أيقنت بأنها فاطسةٌ لا محالة إلا أنها تابعت تلك الرهزات على وقع نوبة الربو التي ألمت بها فجأة بعد إدارة مكيفها دون أن تتوقف أو أن تصل ذروتها. بعد أكثر من خمس دقائق على تلك الحال ارتفعت درجة الحرارة بدلاً من أن تنخفض واستحال الجو داخلها إلى جحيم حقيقي مما اضطرني لإطفاء المكيف والرضوخ للأمر الواقع الذي فرضته عليّ الطبيعة.

عند عودتي للمنزل وجدت بأن إدخال "معصومة" للكراج كان أمراً مستحيلاً، فقد احتلته قطة شرسة ووقفت عند بابه تدافع عن حياضها باستماتة وبعد قرابة العشر دقائق من الكر والفر معها استسلمت وسحبت قواتي للخارج،،، كنت قد شاهدت هذا القطة مراراً تصطحب معها قطط صائعة مائعة منحرفة لإحياء حفلات مجون في الليالي الباردة إلا أنني احترمت حرياتهم الشخصية ولم أتدخل بالرغم من علو أصواتهم في تلك الليالي الضلماء واحتمال تحريكها للغرائز الشيطانية إلا أنني وبعد هذه الحادثة المؤسفة قررت أن أفرض قوانين العفة داخل الكراج وحتماً سأفرض على هذه القطط السافلة فصلاً بين الجنسيين وإذا تفاقم الوضع سأنشئ جهازاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الطريقة القططية.
صباح اليوم التالي التقيت برجل كهل لا أعرفه داخل غرفة المصعد فحياني بحرارة كأنه يعرفني لسنين طويلة وعندما وصلت الدور الذي أردت النزول عنده استوقفني وأخرج من جيب ثوبه الأبيض حمبصيصة* يتيمة وأهداني إياها،،، شككت بأن عينه اليسرى لمعت قليلاً وهو يعطيني تلك الحمبصيصة مما أثار في نفسي شكوك عنيفة قضت بأن أقفز خارج المصعد هرباً قبل أن يسألني شيئاً مقابل حمبصيصته.
تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة
----------------------------------------
الحمبصيص بلغة أهل البحرين هو أبوفروة بلغة غيرهم من العرب أو الچستنوت بلغة الملاحدة الإنجليز والمارون بلغة الفرنجة الكفرة.

الجمعة، يناير 27، 2006

خرفنة العمل السياسي


لم ألتق أبي منذ مدة فكلانا يعمل بالخارج ونادراً ما يتفق جدول أسفاري مع رحلاته،،، وآخر مرة التقيته كان متأزراً بإزار هندي مخطط يشبه إلى حد كبير دفاتر الهندسة التي كنا نستخدمها قديما، كان قد لف رأسه بـ"غترة" بيضاء، كما اليمانيين تماماً، يسحب من ورائه تيس عربي أصيل، يدفعه ويجرجره من خلفه منتهكاً كل حقوقه وممتهناً ما تبقى من كرامته... غلى الدم في عروقي وارتفع إلى أم رأسي مباشرة وأحسست وكأنها - أعني رأسي المباركة - جوزة مطبوخة، فرؤية التيس البائس مستنفراً قواه القومية وممانعاً قيادة الوالد له، لم تكن بالشيء الممكن السكوت عليه،،، أمسكت بتلابيب ذلك الأسير المنحوس وطرحته أرضاً فارتمى الوالد عنده وثبته ثلاثاً معلناً انتصاره الساحق عليه!!! بعد أن انجلت الغبرة والتقطت أنفاسي المبعثرة في كل مكان، سألته عن قصة ذلك التيس وعن سبب شرائه له، فانتفخت أوداجه فجأة وشرع يصف جمل مسجوعة وأبيات مقفاة في سب الحكومة وكل مسئولٍ فيها،،، الوالد أطال الله في عمره لم يبق كلمة نابية إلا واستعارها من قواميس السب البحرانية ليُطّعِم بها جمله تلك غير آبه بالحكومة ولا بأكبر مسئولٍ فيها، فرفع الدعم عن اللحوم وارتفاع أسعارها رفع ضغطه وأصابه بأوجاع لا تطاق في محفظته المنبعجة أصلاً وأبقاه رهينة خوف مرعب من قضاء تقاعده مقتات على الباچة والكراعين.

أعادتني غضبة الوالد تلك وتطاوله على حكومتنا الرشيدة وكل "طويل عمر" تعلمنا تقديسه، أعادتني عضبته تلك عشر سنين للوراء، أيام أحداث التسعينيات المؤسفة (على رواية عقيل سوار ضعيفة السند) أو ما يسمى بالانتفاضة حسب الرواية الشعبية، فتذكرت كيف كان يصاب بخوف عصابي مع انفجار اسطوانة غاز أو عند سماعه طلقة رصاص طائشة فلم أجد بداً من مناكدته وسؤاله عما غير أحواله وأعطاه كل تلك الجرأة في التطاول على المسئولين دون أدنى خوف من مسائلة أو عقاب وهو الذي كان ينهانا عن الحديث في السياسة فضلاً عن الانخراط في ممارستها زاعماً بأن عند الحكومة الرشيدة وسائل تنصت متقدمة تمكنهم من سماع ما يدور داخل البيوت بل ربما حتى ما يختلج داخل الصدور! فأجابني بحكمة رجل كبير بأن الحرية تعطي للحياة معنى آخر ومن يعرفها لا يخشى بعدها شيء أبدا.

القراءة المتأنية للوضع السياسي بالمملكة تشير لوجود علاقة وثيقة بين الحالة السياسية وسوق الخراف وتؤكد بأن لهم - أعني الخراف - دور رئيسي في استقرار الأوضاع الأمنية بالبلاد، ودليلنا على ذلك أن أولى مكرمات عصر الإصلاح الرامية إلى تهدئة النفوس وبناء جسور ثقة بين كل الأطراف، كانت عبارة عن باقة مختارة من الخراف الأسترالية ذات اللحوم البلاستيكية الرائعة مهداة إلى مآتم الشيعة، كما أن آخر المكرمات كانت عبارة عن تراجع الحكومة عن رفع الدعم عن لحوم الخراف حتى لا ترتفع أسعارها بواقع مائة فلس للكيلو،،، عملياً يمكن للبحرينيين اليوم أن يقولوا وبكل ثقة واطمئنان وأريحية بأن "لحم تيوسنا من خيرهم" بعد كل تلك المكرمات،،، لكن الغريب حقاً هو تغافل الحكومة عن الدور السياسي الذي يمكن أن تلعبه الأبقار لو أنها هي الأخرى استغلت كطرف في تلك المعادلة لتدعم دور الخراف، فأنا حاليا عاكف على كتابة مؤلف ضخم تحت عنوان "الأبقار في سياسة الأمصار" سأتبعه بملحق صغير موسوم بـ "دور البقر في إدارة البشر" وأنصح سياسيينا باقتنائه وقراءته ففيه من الفوائد الكثير.
ذلك الثغاء والخوار السياسي يبدو بأن تأثيراته طالت الاقتصاد أيضا، فطيلة الأسبوع الفائت كل ما التقيت أحدهم يصيح بي "إمبـاع؟" حتى اختلطت عليّّ الأمور ولم أعد أفرق بين بشر وبقر وبعد تقصي وبحث دام عدة أيام أخبرني أحدهم عن سوق بيع الجوازات للاكتتاب في بنك الريان القطري فبالبحرينيون وللمرة الأولى في تاريخهم على ما يبدو أحسوا بأن للجواز البحريني قيمة يمكن قبضها نقدا،،، عموماً كان جوابي دائماً كلا، فجوازي "ما إمبـــــــــاع" إن كان أحدكم راغب في شرائه!
تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة

الاثنين، يناير 16، 2006

إجــازة

الكل ينظر إليك وعلى شفتيه ابتسامة بلهاء، كأنه يريد أن يسألك شيئا إلا أن بُعد المسافة بين السيارات حال دون مُراده،،، الجوالات اللعينة لا تكاد تصمت أبدا حتى أن شبكة الاتصالات كانت مشغولة أكثر من مرة هذا الصباح،،، السيارات القادمة من المنامة على الضفة الأخرى من الشارع أكثر بكثير من تلك المسافرة إليها،،، لوهلة ظننت أني أخطأت التوقيت أو ربما كنت قد خرجت للعمل في يوم عطلة أو أن كارثة ألمت بالمنامة فهرع الناس خارجها!

بعد أن وصلت للمنطقة الدبلوماسية، حيث أعمل، كانت خالية تماماً كمدينة أشباح غادرها الجميع، حتى الشحاذين كسدت تجارتهم ذلك اليوم، فتجرأ أحدهم ومد إليّ يده مستجديا بالرغم من أنه لم يكن ليفعل ذلك في يوم عادي، ربما مراعاة لحالتي الصحية فأنا لو تبرعت بمائة فلس لانتكست حالي وتقوس ظهري وربما أصبت بسكتة قلبية وظللت أحبو بعدها حتى آخر الشهر من شدة العجز الكارثي الذي كان سيلم بميزانيتي الكسيحة، إلا أنه وبالرغم من هذا كله كان قد مد يده المباركة صوبي وخاطبني قائلاً "اليوم بس، حلاوة الإجازة"!!!

بمجرد سماعي لكلمة "إجازة" ودون أن أستفسر أكثر، دسست كفي الطاهر في جيبي وأخرجت منها قطعتين من فئة خمس وعشرين فلساً وأعطيتها الرجل فرفعها إليه ونظر إليها بسرعة ثم عقد حاجبة وقضب جبينه حتى حسبته سيصرخ "الله أكبر" إلا أنه لم يفعل،،، نظر إلي بشزر وتقزز وبدا لي وكأنه أراد أن يقول شيئا ففررت من وجهه قبل أن يرميني بسهامه فلهذا الرجل لسان سليط ولست أحتمله ألبتة فقد سبق أن أعطيته خمس وسبعون فلساً (كانت عبارة عن ثلاث قطع من فئة خمس وعشرين فلساً)، يوم ترقيتي الأخيرة، فنظر إليها بالطريقة ذاتها ثم صفعني بها صارخاً "خلها لامك"!!!

دخلت إلى المكتب وعرفت بانتقال الشيخ جابر الصباح إلى جوار ربه فلعنت الإجازات التي أصابت البحرينيين بما يشبه النيكروفيليا المقرفة ولعنت نظام القطاع الخاص الذي حرمني من الإجازة بينما تمتع بها عمال القطاع العام ولعنت نفسي أكثر لخسارتي تلك الخمسين فلس القيمة دون مبرر!!!

تحياتي،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة

الخميس، يناير 12، 2006

شيء ما يحترق



انتشرت الإطارات المحروقة على طول شارع البديع من أمام قرية السنابس ومدخل البرهامة حتى مدخل الديه، في البداية حسبت أن جماعة ما تقوم بطقوس احتفالية دينية غريبة على غرار "حرق صفر" تلك الاحتفالية الشيعية المنقرضة والتي نطالب الجهات الرسمية بإحيائها والحفاظ عليها حتى يتسنى لبعض أولئك الذين يمتلكون شهوة حرق مكبوتة من التنفيس عن أنفسهم من خلالها. إلا أن تحرياتي لم تشر إلى وجود أي احتفال ديني هذه الليلة ومن ثم لم يبق عندي إلا افتراض واحد هو أن تلك الحرائق عبارة عن مراسيم من بقايا طقس وثني لطرد الأرواح الشريرة كذلك الذي تقيمه قبيلة الوايليكي الهندية في عيد اللاشكر بأمريكا،،، ربما كنا ورثناه عن أجدادنا الدلمونيين الكفرة (حسب فتوى أطلقها أحد النواب الأفاضل في المجلس الوطني) تقضي تلك المراسيم بحرق شيء ما لطرد الأرواح الشريرة خصوصاً وأن هذا اليوم يوم كئيب قتل فيه نجل الملك في حادث مروري مروع وفُجع المسلمون بمقتل أكثر من 350 حاج بتدافع بمنى وبذلك لابد وأن تكون الأرواح الشريرة محيطة بنا من كل جانب فتبرع بعض الإخوة، مشكورين، بالقيام عنا بواجب هذا الطقس الكفائي!!!

كأحد الدول الموقعة على اتفاقية كيوتو للحد من انبعاث الغازات المتسببة في تغير المناخ، يجب على السلطات البحرينية إقناع معارضيها بحرق مواد أخرى غير إطارات السيارات لما ينبعث عنها من كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون خصوصاً في هذه الفترة، فالارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات قد يساهم في إقناع أولئك المعارضين بالعدول عن استخدام الإطارات والكيروسين واتخاذ وسيلة أخرى أقل كلفة للتعبير عن الاحتجاج كحرق البخور الهندي الرخيص مثلاً وإن كانت رائحته تسبب لي نوع من الحكة المزمنة في مناطق حساسة أكثر من تلك التي تسببها مسيلات الدموع إلا أنه أنسب بيئياً وأقل كلفة اقتصادياً من الكيروسين وإطارات السيارات،،، شيء آخر بالإمكان حرقه وهو أقل كلفة من كل ما سبق، شيء آخر أفضل من حرق الإطارات والبخور وحتماً أفضل من الشماتة في المنتديات لموت طفل فقط لأنه من العائلة الحاكمة، شيء لا يكلفنا شيء حرقه والتخلص منه للأبد،،، ربما نحن بحاجة لحرق سواد قلوبنا والدوس على كل جراحاتنا وتعزية أهله بمصابهم.

لكم الوِد،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة

القُرعة



قرار الفعاليات العلمائية الشيعية الأخير باللجوء للقرعة لتحديد مواعيد مشتركة بينهم للاحتفالات الدينية بعد سنوات من الخلافات والانقسامات داخل الجسم الشيعي البحراني حول مواقيت الأهلة،،، قرارهم هذا أثار موجة من الاستياء إذ أن تلك القرعة، المزمع العمل بها ابتداءاً من العام الجاري، لتحديد موعد مشترك لاحتفالات عشرة المحرم ووفيات أئمة الشيعة ومواليدهم، يستثنى منها أهلّة رمضان والعيدين! شخصيا أجد ذلك قراراً حصيفا ينم عن قرآءة واعية للمستقبل ومحاكات للتطورات على الساحة الدولية، فالقرعة، حتماً، لن تبق على ما هي عليه اليوم ولا بد أنها ستمر بمراحل تطور عدة لا يستبعد أن تتمخض في نهايتها عن قرار بالعمل بنظام المجموعات المعمول به في المنافسات الدولية!!!

العمل بنظام المجموعات سيفضي إلى تقسيم البحرين إلى مناطق جغرافية تدخل في قرعة لتحديد مجوعات تتنافس فيما بينها لتحديد مواعيد الأهلة بروح رياضية بعيداً عن المهاترات والصراعات إلا أن المناطق التي ستوقعها القرعة في مجموعات صعبة ستعاني الأمرين حتى تتمكن من بلوغ الدور الثاني،،، فمنطقة كالمرخ مثلاً إذا تورطت بمجموعة حديدية بها كل من باربار والدراز فأين لها الفرار وأنى لها من قرار وهنيئاً لتلك المناطق التي ستضعها القرعة مع جدحفص والمنامة فأعيادهم ستكون سابقة للآخرين بيوم على الأقل!!!

تحياتي،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة

الاثنين، يناير 09، 2006

الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود

أصيب أحد الأصدقاء بما يشبه الحول الجنسي بعد سماعه تصريحات د.نبيل الأنصاري، مدير قسم الطوارئ بمجمع السلمانية الطبي، حول عدد الأخطاء القاتلة التي اقترفها الأطباء في القسم المذكور وتورط العديد منهم بقضايا أخلاقية خلال ساعات العمل. صديقي هذا كان قد اشتكى قبل أشهر عدة من التهاب حاد في الحنجرة وبعد زيارة قصيرة للمستشفى المذكور خرج منه مصاباً بالبواسير! ومنذ شياع تلك الأخبار المزعجة والناس تطارد الرجل بنظراتها وتشكك في أسباب إصابته تلك...


لو أن صاحبنا ذاك كان كذكر حصان البحر يحمل ويلد لربما توصلنا لحقيقة ما حدث له إلا أن ذلك لم يعد مهماً الآن فقد ألصقت التهمة به وانتهى،،، تفاعلات الحدث لم تنته عند صديقي هذا بل أن هناك أخبار شبه مؤكدة تشير إلى أن العشرات من الشواذ أخذوا بالتوافد على المستشفى مدعين الإصابة بالتهابات حادة في الحنجرة على أمل الخروج منه، كصاحبنا، مصابين بالتهابات في مناطق أخرى!!!


شخصياً لا أنصحكم بزيارة المستشفى المذكور في أيام الصيف، خصوصاً إذا كانت الحالة تستدعي تخدير عام، أو حتى موضعي، فالأمور لازالت غائمة والأوضاع غير مستقرة وربما خرجتم منه بما لا تحبون ... فالحذر الحذر فالداخل في هذا المستشفى مفقود والخارج منه مولود!!!


تحياتي،

حسن الخزاعي

المنامة المحروسة

الأربعاء، يناير 04، 2006

هافات الصحافة

أستغرب حقا من تعظيم العرب للغتهم حد تقديسها وتفضيلها على باقي اللغات وهي لغة قديمة جدا ومحدودة في ألفاظها حد تقييد الكاتب وإجباره على تطعيم مقالاته بكلمات من لغات أجنبية أو أخرى مستخدمة في اللهجات الدارجة لإيصال فكرة ما لقرائه. قبل كتابة هذا المقال عانيت برحا بارحا لأجد كلمة عربية مرادفة لـ "هاف" الدراجة ذات الأصل الإنجليزي إلا أنني عجزت، فأقرب مرادف لها كان "سروال قصير" إلا أنني لم أجد ذلك معبرا عن ما أريد، خصوصاً وأن الذي كنت أقصده هو السروال الرجالي ذي الفتحة الأمامية تحديداً والمسمى، بالدارجة أيضا، "هندرويل" المحرفة عن "أندروير" الإنجليزية!
حاشى للسماء أن يكون ذلك من قبيل الترف أوقتل الوقت فحسب، وإنما كان لحاجة ملحة كنت قد اضطررت لها بعد أن التقيت في الصالة الرياضية لفندق الخليج بصحفي وكاتب عمود يومي بإحدى الصحف المحلية،،، شكله بدا مختلفاً عما كنت أتخيل، فصورته الباسمة على الصفحة الأخيرة تعطي إيحاءاً آخر لشكله الحقيقي فالرجل الذي بدا لي سميناً في الصورة، لم يكن في حقيقته سوى كهل نحيف لدرجة أن ساقه أسمن من فخذه ويكاد أن لا تكون له مؤخرة بتاتاً حيث أن ظهره تنزل بانسيابية عجيبة لتنتهي بفخذ نحيف ثم تليه تشكيلة فريدة من الكراعين تجمعت صوب بعضها البعض كخطوط غريبة على لوحة سريالية كئيبة، هكذا في سمت رهيب ومن دون أدنى أمْتٍ للمؤخرة! مقدمته كانت على خلاف مؤخرته، فبالرغم من ضيق كتفيه ونحافة صدره إلا أن بطنه تشهد ارتفاعاً مفاجئاً عند نهايتها لتكشف عن كرش مدببة للأسفل تشبه كثيراً بطن امرأة حامل في شهرها الرابع!

إن كان بالإمكان نحت تمثال له بالكلمات في مخيلة القارئ فمن الاستحالة بمكان أن تصف الكلمات تلك البيئة الفريدة المحيطة به،،، الصحفي المعتد بنفسه بشكل جلي، دخل النادي الرياضي وأدى بعض الحركات على جهاز المشي فيما لا يتجاوز الثلاث دقائق فقط، ثم نزل من على الجهاز ووقف بشكل مستعرض أمام المرآة ينظر إلى كرشه بتمعن إن كان قد تغير شكله بعد ذلك الجهد الجبار،،، لا يلبث أن يبدأ في خلع ملابسه القطعة تلو الأخرى،،، وكراقصة تعرٍ هرمة في مشهد إيروسي مقرف، بدأ بنزع قميصه ثم التفت للمرآة مرة أخرى يتفقد أحوال كرشه،،، رسم على شفتيه ابتسامة رضى،،، ثم تابع إكمال المشهد بنزع سرواله الرياضي القصير!!! تجلى الرجل الخمسيني أمامي بسروال داخلي قصير أبيض ذي فتحة تهوية أمامية دون مراعاتٍ لشعوري المرهف بل دونما أدنى اكتراث للنظرات الناس المحدقة بـ"هافه"!

بنظرة كربونية تحليلية خاصة لا أستخدمها إلا في حالات الضرورة القصوى، توصلت إلى أن عمر ذلك الـ "هاف" لا بد وأن يكون قد تجاوز العشرين عاماً بقليل هذا إن لم يكن قد تعرض لعوامل تعرية شديدة أعطته تلك الهيئة العتيقة،،، فحال شريطه المطاطي (اللآستيك) المهتريء حول الفخذين وتهدله عند المؤخرة وكأن شيء ما بداخله يجذبه نحو الأسفل أو ربما كان ذلك بفعل خواء المؤخرة ذاتها (حقيقة لست أدري)،،، كل تلك كانت أمور تشي بحال "هافٍ" قد أكل الدهر عليه وشرب بل من المؤكد أنه كان قد فعل أموراً أخرى أكثر من تلك بكثير! في مؤخرته، وعلى الجوانب أيضا، اصفرار كبريتي غريب تساءلت طويلاً عما قد يكون تسبب به، لكن بعد برهة تأمل وتفكير عميقة وجدت بأنها لا بد وأن تكون رياح صفراء شديدة كانت قد ضربته وأحدثت به تلك الآثار البارزة...

شخص كسول مثلي ما كان ليستخدم أيٍ من تلك الأجهزة الرياضية المتوفرة بالنادي وانما يكتفي دائما بأن يرمي بجسده المرهق في حوض الجاكوزي اللعين ذي حركات الدغدغة المائية التي دائماً ما تتسبب في فشل محاولاتي اليائسة لكبح الابتسامات وتوقعني في إحراجات مع مرتادي النادي،،، صوت صفير مرعب علا فجأة لينذرني عن خطر قادم،،، تجمدت في مكاني لا أدري ما الأمر،،، ألقى الصحفي شبه العاري نظرات تساءل صوب "هافه" ثم تلاها بنظرات أخرى مترددة نحو الجاكوزي،،، مسيقى خطر من فلم مصري قديم تتسارع،،، دقات قلبي تتسارع هي الأخرى،،، يخطو خطواته الأولى متجهاً نحوي،،، تتسارع المسيقى وفي الخلفية صوت كورال مصري يغني "يختي عليها يختي عليها ... جت رجليها ما جت رجليها"،،، ما إن اقترب من الحوض حتى نهضت هاربا منه خوفاً من أن تصيبني عدوى الحمى الصفراء من "هافه"... خرجت من النادي وقرأت كل ما أعرفه من تعاويذ وأدعية بل وهممت أن أكتب بعض الأحجبة والطلاسم، كل ذلك خوفاً من الإصابة بعدوى ما ،،، بعد أن هدأ روعي طرأ ببالي تساؤل آخر عن ما قد تكون عليه رائحة ذلك الـ "هاف" الغامض،،، قضيت جُل الليل أتخيلها إلا أن حيرتي لم تدم طويلاً فقد شممتها في اليوم التالي من خلال عموده بالجريدة!!!

تحياتي،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة