Creative Commons License
شكراً وزارة الإعلام، لست في حاجة لحماية حقوق الطبع.

زرنوق بحراني

هنا حيث تنحشر الأفكار والأحلام والخواطر

السبت، يناير 13، 2007

مواعين السيدة -5

ربما تكون تلك الـ "ياو ياو" الكارثية هي آخر ما يتذكره الحي عن ذلك المساء المتخم كآبة، المثقل ذلا والصارخ صمتا يخرق الآذان صخبه.. ربما تكون كل ما يتذكره الحي إلى جانب رائحة ذفرة تشبه تلك التي تنبعث من بين مفارق أصابع القدم وتصيب الإنسان بحالة خدر لذيذة لدرجة أن بعض سكان الحي أدمنها بجنون وما انفك يدس أنفه بين الأقدام النتنة كلما واتته الفرصة... تلك الرائحة سكنت النفوس والبيوت كما السيدة تماما، بعد أن استسلم لها الحي كأمر واقع وقبل العيش معها كمرض مزمن آخر إلى جانب الجوع والقهر والحرمان.


فتحية، وكمن أفاق للتو من كابوس مزعج لازال يجتر أحداثه بمرارة، تتذكر مساء ما بعد الـ "ياو ياو".. ذاك المساء الكارثي الذي شهد أبشع أحداث حياتها قاطبة، عندما خرجت وهي الفتاة ذات السبع عشر صيفا لقضاء حاجة لها في ليلة متجمدة من ليالي كانو الثاني، أكثر أشهر السنة كآبة ورعبا.

فضاء أزقة الحي خالٍ من كل شيء سوى من صفير رياح قارسة البرودة تتلاعب بأبواب النوافذ الخشبية المهترئة وصوت خطوات في بداية الزقاق تتبعها منه إلى الذي يليه... خطوات تجوب متاهة الأزقة خلفها دون أن تستسلم. تتسارع دقات قلبها هلعا من هذا الذي يتبعها.. تهم في مشيها.. تتسارع الخطوات من خلفها.. تركض.. فيركض هو الآخر ملاحقا لها.

على بعد خطوات من نهاية الزقاق كانت تسمع تسارع أنفاسه بوضوح.. كانت أشباح ظلاله العملاقة تتراقص على الجدران العارية، وقد استطال أحدها إلى أن ابتلع جسدها الضئيل في بحر ظلامه.. كان يكاد يلتصق بها.. كانت تحس بحرارة أنفاسه على جيد رقبتها.. كانت تعرف تماما بأنها مدركة لا محالة.

ابتهلت للسماء.. دعت بحق كل الأولياء.. نذرت للشيخ عزيز والنبيه صالح وصعصعة والأمير زيد ونخبة أخرى من مقامات الأولياء والصالحين.. غير أن السماء لم تكن تسمع أو كذلك خيل لها.

أمسك بها فانهارت تحته.. زحفت على الأرض هاربة منه إلا أن المجرم أمسك بإحدا قدميها الحافيتين.. صوت صرخاتها التي لم تستفز أحدا من أهل الحي المسكونين رعبا، خفتت فجأة واكتفت بنشيج مؤلم لا يُسمع، منتظرة ما سيحل بها، مستسلمة لقدرها.

رفع رجلها إلى أن بلغت حد رأسه.. مسحها بيده ثم فرق بين إبهامها والسبابة ودس أنفه بينهما حتى انسطل وتركها فقد كان هذا هو كل ما أراده منها.

هذا المجرم هو ذاته الذي ستقترن به بعد أشهر من الحادثة والذي ستقضي معه سنين طويلة دون أن تنجب منه حيث أنه لم ير فيها ما يثير سوى رائحة قدميها.



يتبع <<<


تحية ود،
حسن الخزاعي
المنامة المحروسة