Creative Commons License
شكراً وزارة الإعلام، لست في حاجة لحماية حقوق الطبع.

زرنوق بحراني

هنا حيث تنحشر الأفكار والأحلام والخواطر

الأحد، ديسمبر 09، 2007

عودة

في طريق العودة وقبل وصولنا بدقائق وجدتني أتمتم "كم هو كريه هذا الوطن المتخم جهلا وتخلفا وخوازيق.. هذا الوطن الذي لا يكاد يشب الواحد فيه على القوس إلا وقوست المصائب ظهره وفرجت المخابرات بين رجليه ثم لا يلبث أن يصير بطلا ليدخل التاريخ من فتحة شرجه"... لكن كل ذلك لا يهم فهو على كل حال وطن ليس لنا سواه... عندما اقتربنا من الحدود، سمعت تسبيح وتهليل ونساء يبكين بحرقة فيما ارتمى عجوز نحيل على أرضية الحافلة يتلوى بطريقة افعوانية حتى أني خلته مصاب بحصار أبوال أو إسهال من النوع العضال فهممت أشير للسائق بالتوقف عند أقرب محطة، لولا أن الرجل عاد وتكوم على نفسه ثم سجد فأطال السجود.. رفع رأسه برهة ثم عاد وسجد ثم انتصب وصرخ "هيهات منا الذلة" فما كان من السائق إلا أن كز على أسنانه ونظر إليه بشزر ثم ألجمه بصرخة مضادة كان المسكين وكأنه لم يتوقع مثلها:

-"رح اقعد مكانك لا دست في بطنك"!!

تلفت الرجل إلى جانبيه بوجه معصفر وعينين معتكرتين،،، أخذ طرف ثوبه الأزرق الممعج بين يديه... رفعه ثم ضمه إليه كمن أحدث شيئا في ملابسه.. تلفت مرة أخرى إلى جانبيه بسرعة خاطفة كمعتوه ثم انسحب مسرعا من حيث أتى!

ما إن اقتربنا من نقاط التفتيش على الحدود حتى هدأت الضجة وساد صمت واجف لم يقطعه سوى صوت متهجد انطلق فجأة من آخر الحافلة،،، عجوز بحرانية ضئيلة خامجة في المؤخرة، عليها سيماء المؤمنين وتفوح منها رائحة ماء ورد وريحان خضل مضروب بشيء من رائحة كرات نفثالين أروماتية نفاذة (تلك التي تستخدم لطرد العثة من الملابس)،،، أخرجت يدها من بين أكوام الخرق السوداء التي لفتها،، رفعتها عاليا للسماء حتى ظننت بأنها ستصاب بتمزق ما في أربطة ذراعها الرخوة، ثم بصوت يشبه صرير الأبواب صرخت "بحبك يا مصر"!!!

أخبرنا حفيدها فيما بعد، وهو تروتسكي متطرف غير أنه مصاب بشيء من هوس الإسلامويين وبعض خبال القوميين وقليل من رخاوة الحداثويين ورهافتهم، أخبرنا وهو الثقة المعتد بروايته بأنها كانت قبل المنفى فنانة شابة لما تنض عنها ثوب السبع عشرة بعد، عاشقة لفاتن حمامة حد الثمالة وبأنها كانت الشخصية الأوفر حظا للعب دور "لارا كروفت" في فيلم الأكشن "أبي فوق الشجرة" لولا أن المخرج المبدع "عادل فليفل" اضطر لإعطاء الدور لممثلة أخرى تحت ضغوط شديدة تعرض لها من قبل أزلام النظام، فانتهى بها المطاف راقصة باليه احتياطية في فرقة الليوة بموسكو، وظلت ترقص الباليه وتذهل المتابعين إلى أن بلغت التسعين وكانت ستظل ترقص ليوم الناس هذا، وهي ابنتة المائة والسبع سنين، لولا أنها أصيبت بإسهال لا إرادي مزمن يتطلب منها ارتداء حفاظات خاصة طيلة الوقت الأمر الذي جعل من تأدية رقصات الباليه الرشيقة والسلسة أمر أشبه بالمستحل!

إلا أن هذا لم يمنعها من مواصلة النشاطات الفنية والرياضية التي تهواها، فبعد عام من اعتزال الباليه حققت الميدالية الذهبية في القفز بالزانة إلا أنها اضطرت للاعتزال مجددا بعد أن أصيبت بتمزق في إبطها الأيمن جراء قفزة جريئة وصفت في وسائل الإعلام الغربية بالمغامرة غير محسوبة النتائج!

ثم استطرد الحفيد ليخبرنا بأنها وبعد أن تشافت من التمزق مارست رياضة الجري وأبدعت فيها حتى أن مسؤول رفيع في الهيئة العامة للشباب والرياضة في البحرين كان قد فاتحها لعقد صفقة تجنيس غير أن الموضوع أغلق بعد أن عرف أنها بحرينية أصلا!

سكت برهة ثم هم بإخبارنا بشيء آخر لولا صفعه الرجل في الكرسي الذي وراءنا مباشرة وهو يصرخ به بنزق:

- نفخت راسنا بهالعجوز العفنة،،، مسونها ولا آرنولد وهي كلها على بعضها ثلاثة عظام و وار ونص جلود... والله إن ما سكت عن الشلخ إلا أفلتها في أقرب خمام وخلها تبدع هناك عـــــــاد!!!

كنا لحظتها قد توقفنا عند الحدود البحرينية وأشار إلينا سائق الحافلة بالترجل منها لتخليص أجراءات الدخول...


شرطي الحدود، شاب أسمر نحيف رأسه عريضة من أعلى مستدقة عند الذقن، مثلثة بطريقة كارتونية حتى انك لتظن أنه مقلوب.. قمته المقلوبة تنتهي بكومة شعر كثة تشبه إلى حد ما شعر إبط شمبانزي مراهق كان قد دخل سن البلوغ حديثا.. استقبلنا الرجل ذي الرأس المثلثة بابتسامة عريضة.. رحب بنا بحرارة.. استلم جوازات سفرنا.. قرأ أسماءنا.. بصق في وجوهنا ثم طبع ختم الدخول!!!

يالهذه الدنيا العاهرة... تفتح أرجلها لأمثال هذا المنحرف ذي الرأس المثلثة وتصد عنا، نحن الأبطال المقاومون الذين لم نكترث يوما لا لبول بريمر ولا لخراء رايس حتى!

آآآآآه آآه .. ثم آآآه تتلوها آآه وآآه.. هاقد جاء علينا اليوم الذي يبصق في وجوهنا رجل رأسه مثلثة كقطعة ناچوس مكسيكية محمصة... أوليس هذا ما جاء في الأثر وبشر به السابقون الأولون ثم التابعون لهم بإحسان وحذروا من أنه واحد من علامات الساعة؟! تلك الساعة التي لسنا ندري من أي نوع هي، غير أني أكاد أجزم بأنها ليست مضادة للماء البتة فلو كانت كذلك لما نالنا ما نالنا من بصاق ذاك الفسيح.

كشفت عن رأسي ولولا الحياء لفتحت جيبي وكشفت عن صدري أيضا.. رفعت كفي للسماء ثم أقسمت بأن أدعو على هذا المنحرف في التاسع عشر من تشرين الأول/أكتوبر القادم تحديدا، كونه يصادف اليوم العالمي للناچوس وهو يوم فضيل على ما جاء في الخبر وبه ساعة مستجابة بإذن الآلهة!

دخلنا ننفض غبار الغربة الكامد على أرواحنا مذ خرجنا خروجنا الأول نتوجس خيفة قبل عقود.

>>> ربما يتبع وربما لا

تحية ود،
حسن الخزاعي