Creative Commons License
شكراً وزارة الإعلام، لست في حاجة لحماية حقوق الطبع.

زرنوق بحراني

هنا حيث تنحشر الأفكار والأحلام والخواطر

الجمعة، سبتمبر 23، 2005

مواعين السيدة - 2



مدت رأسها باتجاه فتحية الملتصقة بالجدار وفتحت جناحي أنفها بالكامل، ساحبةً نفساً عميقا، حتى أيقنت المسكينة بأنها ستنتهي محبوسة داخله بعد أن أحست بقوة الجذب الشديدة التي سحبتها إليه إلا أن السيدة سرعان ما نفثت ريحاً صرصراً عاتية ذات ذفر من مناخرها فصفعتها بالجدار مرة أخرى... ثم قالت في غضب:


- أراويش يالسبالة!


تهديد كذاك كان بالإمكان أن يمر بسلام لو أنها وجهته لشخص آخر غير فتحية، إلا أن هذه العجوز المسكينة تعرف السيدة جيداً منذ ذلك اليوم الأغبر الذي ولدت فيه بزقاق ضيق في حي "الذواودة" المجاور،،، هي واحدة من نساء قليلات في الحي يعرفون حقيقة هذا الوحش الآدمي الكاسر،،، فتحية وظهرها للجدار وقد غطت وجهها بكلتا يديها وهي باكية خوفاً من ما هو آت،،، في حركة بطيئة بدأت ساقها تتراخى شيئاً فشيئاً حتى ارتمت على الأرض متمتمةً بكلمات غير مفهومة.


لم تكن السيدة أقل شراً من الماركيز دي ساد أو فرانكشتين ولا حتى هولاكو إذ أن كل جرائم هؤلاء لم تكن سوى لعب أطفال إذا ما قورنت بما قامت به السيدة... فمنذ لحظة ولادتها البشعة في ذلك الزقاق الضيق المعزول وقد خرجت للحياة ضاحكة على العكس من كل المواليد،،، علا وعلا صوت ضحكاتها المرعبة فقرفصت الأم المسكينة خائفة وأحست بريح باردة تجتاح تضاريس جسدها المرهق،،، صمتت لحظة ثم نظرت إلى أمها بخبث وحركت أرنبة أنفها كأنها تتشمم شيء ما،،، قفزت كعفريت في حضنها والتقفت حلمة ثديها تعب منه حتى تركته كبالون مثقوب ثم تناولت الآخر وفعلت به كالأول وظلت تبادل بينهما طيلة تلك الليلة الباردة الموحشة.


فجر اليوم التالي وُجدت الأم متحنطة كمومياء مصرية، ميتة ومتيبسة فقد امتصت اللعينة كل عصاراتها وتركتها كالقديد،،، ما إن أحست بقدوم أحدهم حتى ابتسمت ثم تصنعت بكاءً مزعجا،،، "ملا راشد الذوادي" كان خارجاً لتوه من المسجد الذي يعمل فيه قيماً،،، سمع بكاءها فتوجه نحو ذلك الزقاق ليجد طفلة بدينة تبكي إلى جانب أمها الميتة!


قصد بها أكثر من عشر مرضعات، قضت ثلاثٌ منهن كحال أمها تماماً فيما الأخريات رفضن إرضاعها منذ أن ألقين عليها النظرة الأولى فقد ازداد وزنها خمس عشر كيلوغراما في الأسبوعين الأولين فقط وكانت بطول طفل في الثامنة، ما كان يصيب المرضعات بالذعر كما أن ابتسامتها الصفراء ونظرة عينيها الضيقتين كانت كفيلة بشل أي إنسان ينظر إليها.. انتهى به الأمر يشتري لها عنزة كل أسبوع ترضع منها حتى تهلك فيشتري أخرى،،، ظل حاله كذلك لأسابيع عدة وكان قد أشار عليه بعض أهالي الحي بالتخلص منها بعد أن شارف على الإفلاس إلا أنه كان ينهرهم ويقول بأنها طفلة يتيمة من واجبه رعايتها لا التخلص منها.


في ليلة حارة من ليالي حزيران خرج "ملا راشد" ليجدها تحبو قبالة غرفته،،، كان متأزراً وعاري الصدر،،، ابتسم لها ولاطفها إلا أنها نظرت نظرة غريبة إلى حلمة صدره السمراء فاقشعر بدنه وفر هارباً بعد أن فطن لما اعتزمت عليه ومن يومها لم يسمع أحدهم خبر عنه!


يتبع >>>


لكم الود،

حسن الخزاعي

روتردام المحروسة